أن يقال: إن الحكم في كلا العبارتين (قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار) ، باق على عمومه، فلا يشهد لأعيان قتلى المسلمين بأنهم في الجنة، ولا يحكم على أعيان قتلى المرتدين بأنهم في النار، فهنا وإن وافق القول اعتقاد أهل السنة في شأن من مات أو قتل من أهل القبلة إلا أنه في الوقت نفسه إبطال لدلالة قول أبي بكر: (قتلاكم في النار) على ما ذهب إليه الشيخ عبد القادر من أنها دليل على تكفير الصحابة لأنصار أئمة الردة على التعيين، وعليه فلا يصح أن يقال إن هذا شهادة منهم لأعيان قتلاهم بأنهم في النار، ومن ثم فيسقط الاستدلال بهذه العبارة على تكفير أعيانهم، وهذا كله كما ذكرنا على فرض الخلو من القرائن التي تعين دلالة أي من اللفظين، وعلى اعتبار أن العبارة لم ترد في قوم اتفق الناس على تكفيرهم وهم أتباع المتنبئين، وكما ذكرنا قبلًا فإن هذا على وجه الفرض.
3 -أن يقال: إنما عممنا الحكم في قوله: (قتلانا في الجنة، وعيناه في قوله:(قتلاكم في النار) ، لموجب اقتضى ذلك، وقرينة خارجية عينت المراد من اللفظين، وباعتبار الملابسات التي كانت تحف بالحادثة، ففرقت تلك القرائن والملابسات بينهما حكما، وإن تماثلا لفظا، وهذا يبين أن اللفظ بمجرده لا يدل على الحكم الذي ذهب إليه الشيخ عبد القادر وتمسك به، وجعله دليلا على أن الصحابة حكموا بالكفر على أعيان (( أنصار أئمة الردة ) )، وبذلك يظهر أن مجرد العبارة لا تكفي في الدلالة على هذا الحكم، إذ إنه مأخوذ من أمر خارجي زائد على مجرد الدلالة اللغوية، وهو الدافع الحقيقي الذي تم به التفريق بين هاتين العبارتين المتشابهتين، وهذا الأمر إما أن يكون العلم بعدم وجود مانع من موانع التكفير لدى أولئك القتلى، مع احتمال ما أتوا به من الكفر لتلك الموانع، وإما أن يكون كفرهم من النوع المغلظ الذي لا يحتمل وجود مانع من موانع التكفير عند مرتكبه أصلا كتصديق المتنبئين هنا، فالعبارة التي استند إليها الشيخ عبد القادر، وجعلها دليلا على أن الصحابة أكفروا قتلى المرتدين على التعيين، هذه العبارة تحتمل المعنى الذي ذهب إليه (التعيين) ، كما تحتمل غيره من المعاني (التعميم) ، فهي تحتاج دائما إلى دليل مستقل، وقرينة منفصلة تعين المراد منها، وعليه فينظر إلى كل حال بحسبها، ولا بد من النظر إلى الموضع الذي وردت فيه، والظروف التي أحاطت بها، حتى يتحدد المراد، ويتجلى المقصود، وهذا يبين أن المرجع في تعيين المراد وتحديده هو اعتبار حال القوم الذين تقال فيهم، فإن كانوا ممن يحكم عليهم بالكفر عينا نتيجة المعرفة بأحوالهم وظروفهم - كما هو الحال في وفد بزاخة -