فإذا كان الشيخ عبد القادر عند ذكره لإجماع الصحابة المذكور، قد حكم بالكفر على أعيان أنصار الحكام المرتدين، اعتمادا منه على قول أبي بكر (وتكون قتلاكم في النار) حيث قال: (والشاهد من هذا: هو قول أبي بكر للمرتدين التائبين:(وتكون قتلاكم في النار) ، وموافقة عمر وسائر الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ له على ذلك، وهذا إجماع منهم على تكفير أنصار أئمة الردة وجنودهم على التعيين ... إلخ) فما الذي جعل دلالة قول أبي بكر (قتلاكم في النار) على التعيين كما قال الشيخ عبد القادر، بينما دلالة قوله (قتلانا في الجنة) على التعميم كما هو الظاهر، ونحن نعلم أن كلا اللفظين سواء، فما الذي فرق بينهما إذا ما نظرنا إلى مجرد الدلالة اللغوية من غير التفات إلى إي قرائن خارجية؟ وكما قيل في أتباع المتنبئين، يقال أيضا في قتلى المسلمين: [ولا خلاف في أن القتلى أشخاص معينون] ، فكيف عينا في الأولين، وعممنا في الآخرين؟.
وعلى العموم يمكن حصر الاحتمالات التي ترد على الاستدلال بقول أبي بكر - رضي الله عنه - في أربعة أمور:-
1 -أن يقال إن قوله: (قتلانا في الجنة) هو حكم منه لأعيان قتلى المسلمين وأشخاصهم بأنهم في الجنة، ليطابق ما ذهب إليه الشيخ عبد القادر في قوله (قتلاكم في النار) ، حيث جعل المقصود بالحكم أعيان قتلى المرتدين، وأن كل فرد منهم محكوم عليه بأنه في النار، ولا شك أن هذا لا يستقيم، لأنه يؤدي إلى مخالفة اعتقاد أهل السنة - والذي نقله الشيخ عبد القادر عن الطحاوي- في أهل القبلة، حيث لا ينزلون أحدا منهم جنة ولا نارا، وأولى الناس بعدا عن هذا القول هم الصحابة ـ رضي الله عنهم.
2 -أن يجعل قوله: (قتلانا في الجنة) محمولا على عموم قتلى المسلمين لا على أعيانهم، وأما قوله: (قتلاكم في النار) فيقصد به أعيان القتلى وأشخاصهم، وذلك بمجرد الدلالة اللغوية من غير التفات إلى أي قرائن أو ملابسات تفرق بينهما أو تعين وتحدد مدلولهما، وهذا - إن قيل به - فهو تحكم محض لا يسلم به أحد أيضا، لأن فيه تفريقا بين متماثلين من غير موجب يقتضي ذلك، وعليه فيصح للغير أن يقلب المسألة فيعين في قتلى المسلمين، ويعمم في قتلى المرتدين، إذ الفرض أن الألفاظ متجردة عن القرائن التي تحدد دلالة كل من العبارتين.