الكبائر من شاء الله إدخاله النار، ثم يخرج منها بشفاعة الشافعين، ولكنا نقف في الشخص المعين، فلا نشهد له بجنة ولا نار إلا لمن علم، لأن الحقيقة باطنة، وما مات عليه لا نحيط به، لكن نرجو للمحسنين ونخاف على المسيئين.
وللسلف في الشهادة بالجنة ثلاثة أقوال:
أحدها: أن لا يشهد لأحد إلا للأنبياء وهذا ينقل عن محمد بن الحنفية والأوزاعي.
والثاني: أنه يشهد بالجنة لكل مؤمن جاء فيه النص، وهذا قول كثير من العلماء وأهل الحديث.
والثالث: أنه يشهد بالجنة لهؤلاء ولمن شهد له المؤمنون، كما في الصحيحين أنه مر بجنازة فأثنوا عليها بخير، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: وجبت، ومر بأخرى فأثني عليها بشر، فقال: وجبت وفي رواية كرر وجبت ثلاث مرات، فقال عمر: يا رسول الله ما وجبت؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: هذا أثنيتم عليه خيرا وجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرا وجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض، وقال - صلى الله عليه وسلم: توشكون أن تعلموا أهل الجنة من أهل النار، قالوا بم يا رسول الله؟ قال بالثناء الحسن والثناء السيئ، فأخبر أن ذلك مما يعلم به أهل الجنة وأهل النار.) (شرح العقيدة الطحاوية/378) ، وبهذا نستطيع القول إن ما قاله أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ في حق قتلى المسلمين إنما قصد به عموم القتلى لا أعيانهم وأشخاصهم، وهذا تمشيًا مع ما ذكره الطحاوي في عقيدته، وابن أبي العز في مطلع شرحه، وهو ما يوافق القول الثاني من أقوال السلف التي ذكرها ابن أبي العز في أهل القبلة وقال إنه: قول كثير من العلماء وأهل الحديث، وهو الذي ذكره الشيخ عبد القادر فيما نقله عن الطحاوي - رحمه الله -، إذ إن حمل عبارة (قتلانا في الجنة) على غير هذا الوجه، يجعلها مخالفة لاعتقاد أهل السنة المنقول آنفًا، بمعنى أننا لو حملنا قول أبي بكر رضي الله عنه قتلانا في الجنة، على أن المقصود به الحكم على كل فرد من قتلى المسلمين بأنه في الجنة والقطع له بذلك فإننا نكون بذلك قد ناقضنا قول من قال من أهل السنة بأنه لا يشهد لمعين من أهل القبلة بجنة ولا نار إلا حيث شهد له الدليل، ومثل هذه المخالفة والمناقضة ينزه عنها الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ، وهل أخذ اعتقاد أهل السنة إلا منهم، فكيف يتصور مخالفتهم له، ومناقضتهم لأنفسهم فيه؟.