الصفحة 60 من 83

كفارا، أما في حق أتباع المتنبئين فهي على التعيين لما علم من ظهور كفرهم وشيوع ردتهم، فالمرجع أولا وآخرا إنما هو حال من قيلت فيهم، وعليه فليس فيما ذكرناه اعتراض على حمل العبارة على أعيان القتلى، ولكن على جعلها دليلا على تكفير الأعيان، وهناك فرق بين أن تحمل العبارة على الأعيان بسبب دليل خارجي وقرينة معينة وبين جعل العبارة بمجردها دليلا على التكفير والله أعلم.

أما عن الاستشكال المذكور، فإننا قد ذكرنا أن للسلف ثلاثة أقوال في الشهادة لأعيان أهل القبلة بالجنة، ونقلناها مستوفاة عن ابن أبي العز شارح الطحاوية، وبينا أن الاعتراضات المشار إليها مبنية على القول بأنهم لا يشهدون لمعين بالجنة إلا لمن شهد له النص بذلك، ونقلنا ما ذكره الطحاوي وما صدر به شارحه ابن أبي العز كلامه، وهذا القول هو الذي ذكره واعتمده الشيخ عبد القادر وجعله اعتقاد أهل السنة في أهل القبلة ولم يذكر غيره، حيث قال: (وأما المسلم مهما كان فاسقا فاعتقاد أهل السنة - هو كما ذكره الطحاوي رحمه الله: [ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة، وعلى من مات منهم، ولا ننزل أحدا منهم جنة ولا نارا] ) ، ولا شك أن اللوازم التي ذكرناها مادامت مبنية على هذا القول فهي لازمة، ومع ذلك فإن ما ذكر في الاستشكال أعلاه، لا يخرم أو ينقض ما قلناه من أن العبارة - من حيث دلالتها اللغوية - لا تفيد ما رمى إليه الشيخ عبد القادر وسيتضح هذا إن شاء الله تعالى بما سيأتي:

أولا: ننقل ما قاله الإمام النووي- رحمه الله - في معنى هذا الحديث، ومن ثم نبين أن الاستشكال غير متوجه، قال الإمام النووي - رحمه الله - في هذا الحديث قولان للعلماء (أحدهما: أن هذا الثناء بالخير لمن أثنى عليه أهل الفضل، وكان مطابقا لأفعاله فيكون من أهل الجنة فإن لم يكن كذلك فليس هو مرادا بالحديث، والثاني وهو الصحيح المختار أنه على عمومه وإطلاقه وأن كل مسلم مات فألهم الله الناس أو معظمهم الثناء عليه، كان ذلك دليلا على أنه من أهل الجنة، سواء كانت أفعاله تقتضي ذلك أم لا، لأنه وإن لم تكن أفعاله تقتضيه فلا تحتم عليه العقوبة، بل هو في خطر المشيئة، فإذا ألهم الله عز وجل الناس الثناء عليه استدللنا بذلك على أنه سبحانه وتعالى قد شاء المغفرة، وبهذا تظهر فائدة الثناء، وقوله - صلى الله عليه وسلم: وجبت، وأنتم شهداء الله في الأرض، لو كان لا ينفعه ذلك إلا أن يكون أفعاله تقتضيه، لم يكن للثناء فائدة، وقد أثبت النبي - صلى الله عليه وسلم - فائدة) [مسلم بشرح النووي 7/ 20 - 21]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت