بلغت قوة دلالته فلن تتجاوز مرحلة الظن، ولن يخرج عن دائرته بأي حال من الأحوال، فكيف وقياسه منتقض من أساسه، وباطل من أصله، كما سيتضح إن شاء الله تعالى.
والمتأمل في كلام الشيخ عبد القادر مما نقلناه عنه وغيره عند بحثه للمسألة المعنية (حكم أنصار الطواغيت) ، يظهر له أن العلة التي اعتمدها في تعدية الحكم المجمع عليه من الصحابة، هي علة مركبة، لأنها تضمنت أوصافا متعددة، وبالنظر إلى مجموعها اعتبرها صالحة للتعليل، ومن المعلوم أن العلة المركبة لو انتقص منها وصف واحد لانتقضت العلة ولم تعد صالحة للتعليل، ومن ثم يتبعها انتقاض الحكم إن كان أصل التعليل بها صحيحا وصالحا، وتعليق الحكم عليها سليما قويما، مع الإشارة هنا إلى أن العلماء مختلفون في صحة التعليل بالعلة المركبة، وقول أكثر الأصوليين صحته وجوازه، قال صاحب المراقي:-
وقد يعلل بما تركبا وامنع لعلة بما قد أذهبا
قال الشنقيطي: - (يعني أنه يجوز التعليل بالعلة المركبة عند أكثر الأصوليين، كما قاله القرافي في التنقيح، ومثاله القتل عمدا عدوانا لمكافئ غير والد، فإن مجموع هذه الأوصاف المذكورة علة القصاص ... وقيل لا يجوز التعليل بالعلة المركبة ... ) نثر الورود 2/ 464، فالعلة المركبة التي أشرنا إليها آنفا يمكن استخلاصها وتلخيصها من عباراته المتكررة مما نقلناه، ومما لم ننقله، بحيث تجمل في: (مناصرة أئمة الردة(( الطواغيت ) )وامتناعهم على ذلك) فهي مركبة من ثلاثة أوصاف:
1 -المناصرة 2 - كون المناصرة للطواغيت 3 - الامتناع على ذلك.
وإنما ذكرناها بهذا التفصيل والتجزئة مع تداخل بعضها في بعض تسهيلا للفهم، فكل وصف من هذه الأوصاف الثلاثة كان له مدلوله وتأثيره في تعليل وتعدية الحكم الذي ذهب إليه الشيخ، فالمناصرة هي أحد المناطات المكفرة التي تلبس بها أنصار الحكام المرتدين وجنودهم، بل هو أبرز وأشمل المناطات في حقهم، فهم بين مناصر بالقول أو بالفعل أو بهما معا، فلوضوح هذا المناط وشيوعه بين أنصار الحكام المرتدين، ولوجوده في أنصار المتنبئين الذين قاتلهم الصحابة، جعله جزءا من العلة الجامعة بين أولئك وهؤلاء ولأجله سمى كلا من الطائفتين (أنصارا) ، وقال مبينا من هم أنصار الطواغيت الذين قصدهم في بحثه: (والمقصود بهم أنصار الحكام المرتدين الذين يحكمون بغير ما أنزل الله في شتى بلدان المسلمين اليوم، وأنصارهم هم الذين يحمونهم ويمنعونهم