الصفحة 24 من 83

على ما قال أبو بكر، قال شيخ الإسلام (بل الصحابة كانوا متفقين على قتال مسيلمة وأصحابه، ولكن كانت طائفة أخرى مقرين بالإسلام، وامتنعوا عن أداء الزكاة، فهؤلاء حصل لعمر أولا شبهة في قتالهم، حتى ناظره الصديق، وبين له وجوب قتالهم، فرجع إليه، والقصة في ذلك مشهورة، وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن عمر قال لأبي بكر كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:(أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله؟ قال أبو بكر: ألم يقل إلا بحقها؟ فإن الزكاة من حقها، والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقاتلتهم على منعها، قال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق) منهاج السنة النبوية 8/ 328.

ولا يصح أن يقال هنا إن عمر - رضي الله عنه - إنما خالف ابتداء في قتالهم مع موافقته لأبي بكر على تكفيرهم - كما زعم بعض الباحثين المعاصرين - محتجا بقوله: (كيف تقاتل الناس ... الخ) ؟!، فعمر رضي الله عنه أفقه وأعلم من أن يظن به هذا الظن، فكيف يتوهم أحد أن عمر يظن أو يعتقد أن لا إله إلا الله يمكن أن تعصم قائلها من القتل مع ردته عن الإسلام؟، وإلا فأي فائدة في أن يقول لأبي بكر: وهم يقولون لا إله إلا الله مبنيا بدلك ومحتجا بالعاصم لدمائهم، وهو بلا شك لا يعني الألفاظ المجردة لهذه الكلمة ولكن يقصد كيف تقاتلهم مع إسلامهم، فإذا كان يرى أن مانع قتالهم هو مجرد التألف والتلطف معهم - مع ردتهم - فما وجه التعليل بأنهم يقولون لا إله إلا الله، أم تراه يحتج على أبي بكر بشيء لا يرى له تأثيرا في الحكم أصلا، والحق إن مثل هذا القول الردي لا يقوله من عرف دينه حق المعرفة فضلا عن أن يكون عمر - رضي الله عنه، ومن تأمل أدنى تأمل في المناظرة المذكورة تجلى له الحق من غير تكلف ولا عناء.

وبما عرفت من أن تكفير المتنبئين وأتباعهم أمر مستقر لدى كافة الصحابة الكرام قبل وقوع الردة وظهورها في عهد أبي بكر - خلافا لمانعي الزكاة - يتبين لك أن إجماعهم على ذلك لم يكن إلا زيادة تأكيد للمؤكد، وإظهار للظاهر، وإحكام للمحكم، إلا أن أكثر أحكام قتال المرتدين إنما تؤخذ من سيرتهم في حربهم وقتالهم للمتنبئين وغيرهم.

فحقيقة النازلة التي لم يختلف الصحابة في حكمها على الإطلاق - والتي بنى عليها الشيخ عبد القادر حكمه - أن قوما زمن الصحابة -رضي الله عنهم - ادعوا النبوة، بعضهم ادعى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت