وأسلموا من استسلم إلى سلم مخزية، كانوا فيها أعرابا يتبعون أذناب الإبل، وصار من أعظم فضائل أبي بكر -رضي الله عنه - أن وفقه الله إلى قتالهم، وثبته أمام جحافلهم، فما حال الحول إلا والأمور قد رجعت إلى نصابها، والفتنة أوصدت أبوابها، وتلاشى شرها، وكانت كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، والحمد لله رب العالمين.
-قال شيخ الإسلام ابن تيمية:-(ومن أعظم فضائل أبي بكر عند الأمة - أولهم وآخرهم - أنه قاتل المرتدين، وأعظم الناس ردة كان بنو حنيفة، ولم يكن قتاله لهم على منع الزكاة بل قاتلهم على أنهم آمنوا بمسيلمة الكذاب وكانوا فيما يقال نحو مائة ألف.
والحنفية أم محمد بن الحنفية سرية علي كانت من بني حنيفة، وبهذا احتج من جوز سبي المرتدات إذا كان المرتدون محاربين، فإذا كانوا مسلمين معصومين، فكيف استجاز علي أن يسبي نساءهم ويطأ من ذلك السبي؟.
-إلى أن قال- بل كفر بني حنيفة من بعض الوجوه كان أعظم من كفر اليهود والنصارى والمجوس، فإن أولئك كفار مِلِّيون، وهؤلاء مرتدون، وأولئك يقرون بالجزية وهؤلاء لا يقرون بالجزية، وأولئك لهم كتاب أو شبهة كتاب، وهؤلاء اتبعوا مفتريا كذابا، لكن كان مؤذنه يقول: أشهد أن محمدا ومسيلمة رسولا الله، وكانوا يجعلون محمدا ومسيلمة سواء.
وأمر مسيلمة مشهور في جميع الكتب التي يذكر فيها مثل ذلك، من كتب الحديث والتفسير والمغازي والفتوح، والفقه والأصول والكلام، وهذا أمر قد خلص إلى العذارى في خدورهن) منهاج السنة النبوية 8/ 324.
فالصحابة رضي الله عنهم لم يختلفوا أبدا في تكفير وقتال المتنبئين وأتباعهم، لا في الابتداء ولا في الأثناء، مما يؤكد استقرار هذا الأمر ووضوحه وبداهته عند جميعهم قبل أن يشيع وينتشر أمر الدجالين من أمثال مسيلمة الكذاب وطليحة الأسدي وسجاح، وهذا بخلاف مانعي الزكاة فإن الشبهة قد عرضت لعمر -رضي الله عنه- في تكفيرهم ومن ثم في قتالهم، وذلك لاعتقاده عدم كفرهم بمجرد منعهم إياها، مع إتيانهم بالشهادتين وغيرها من الأركان، فناظره في ذلك أبو بكر -رضي الله عنه-وكشف له شبهته، وأزالها عنه بأوجز عبارة وأبلغها، مما يبين فقهه العميق لدين الله تعالى، وإدراكه لمقاصده، وكيف لا؟ وهو العتيق الصديق، رفيق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في العسر واليسر وصاحبه في السفر والحضر، فانعقد إجماع الصحابة - رضي الله عنهم - بعد المناظرة والمحاورة