ذلك مما يشترك الخاصة والعامة فيه، فإن هذه الأمور وغيرها مما يماثلها، يعلم المرء علما يقينيا قطعيا أنه لا اختلاف بين الأمة فيها، وأنهم كلهم مقرون بوجوب الواجب منها وتحريم المحرم، بل هم متفقون على كفر من خالف في حكمها، كمن أنكر وجوب الصلاة أو تحريم الزنا والربا ونحو ذلك، فهذا القسم من الإجماع يعد أقواها، قال الجصاص الحنفي (وإجماع آخر، وهو ما تشترك فيه الخاصة والعامة، كإجماعهم على تحريم الزنى و الربا، ووجوب الاغتسال من الجنابة، والصلوات الخمس ونحوها؛ فهذه أمور علم اتفاق المسلمين عليها وإن لم يحك عن كل واحد منهم بعينه اعتقاده به) أحكام القرآن 1/ 264.
ولهذا فإن بعض العلماء حصر الإجماع القطعي في الأمور المعلومة من الدين بالضرورة، ولم يتعدها إلى غيرها، قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين:- (الإجماع نوعان: قطعي وظني ... فالقطعي: ما يعلم وقوعه من الأمة بالضرورة، كالإجماع على وجوب الصلوات الخمس وتحريم الزنا، وهذا النوع لا أحد ينكر ثبوته ولا كونه حجة، ويكفر مخالفه إذا كان ممن لا يجهله) الأصول من علم الأصول 58.بل من العلماء من لا يعتبر من الإجماعات شيئا إلا ما كان منها معلوما من الدين بالضرورة كما هو ظاهر كلام الإمام ابن حزم - رحمه الله - حيث يقول: (مسألة: والإجماع: هو ما تيقن أن جميع أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عرفوه وقالوا به ولم يختلف منهم أحد كتيقننا أنهم كلهم رضي الله عنهم صلوا معه عليه السلام الصلوات الخمس كما هي في عدد ركوعها وسجودها، أو علموا أنه صلاها مع الناس كذلك، - إلى أن قال - وكذلك سائر الشرائع التي تيقنت مثل هذا اليقين والتي من لم يقر بها لم يكن من المؤمنين، وهذا ما لا يختلف أحد في أنه إجماع) المحلى 120، وينبغي التنبيه هنا إلى أن الإجماع إذا توفرت فيه الشروط الأربعة المذكورة فإنه سيكون مما هو معلوم من الدين بالضرورة ولا بد، فالطرح الصحيح للاستشكال أن يقال فيه: يندر وقوعه بشروطه المذكورة ولا يستحيل، وندرة الوقوع شيء واستحالته وعدمه شيء آخر، خاصة إذا علمنا أن الإجماع القطعي متى ثبت وعارضه نص آخر حكم بتقديم الإجماع عليه، وإلغاء النصوص وإهمالها بمجرد دعوى لا يقين معها ليس أمرا هينا ولا مرتقى سهلا، لذا لزم التحرز والاحتياط، إضافة إلى ذلك كله أن إثبات الإجماع القطعي ليس أمرا مقصودا لذاته، بل لتقرير الأحكام، فمتى ثبت بالصفة المذكورة والشروط المعلومة، كان حجة قطعية، وأما إن لم يثبت الإجماع بهذه الكيفية فإن إثبات الأحكام وتقريرها ليس منحصرا فيه، ولا متوقفا عليه،