الصفحة 18 من 83

فنصوص الكتاب والسنة، أكثر من أن تحصى، والتي لها المرجع أولا وآخرا في بيان الأحكام الشرعية. والله أعلم

الثاني:- في بيان فائدة التقسيم إلى إجماع قطعي وظني مع أن كلا منهما حجة:

أما كونهما -أي الإجماع القطعي والظني - حجة فهذا صحيح، اتفاقا في الأول وعلى الصحيح في الثاني، وأما جدوى تقسيم الإجماع إلى قطعي وظني فهي ظاهرة، فإننا نعلم أن الأدلة تتفاوت دلالاتها فيما بينها، فمنها النص والظاهر، ومنها الخاص و العام، والمطلق والمقيد، والمنطوق والمفهوم، إلى غير ذلك، ولكل واحد من هذه الدلالات مرتبة يقدم فيها على غيره، ويقدم غيره عليه عند التعارض، ومثل ذلك طرق إثبات الأخبار والآثار منها المتواتر ومنها الآحاد بأقسامه المعروفة، وبعضها أقوى من بعض، مع أن الكل حجة في إثبات الأحكام، فثمرة هذه التقسيمات، ومعرفة مرتبة كل قسم منها تظهر عند تعارضها، والاحتياج إلى الترجيح فيها، بحيث يقدم الأقوى ثبوتا أو دلالة، فكذلك الإجماع منه القطعي والظني، وكلاهما حجة تثبت به الأحكام الشرعية، إلا أن مرتبتهما ليست واحدة، وقوتهما ليست متساوية، وهذا التفاوت سواء بالنظر إليهما معا، أو بالنظر إلى أحدهما بالنسبة إلى باقي الأدلة، فالإجماع القطعي متى ثبت بشروطه المذكورة، فهو مقدم على كل نص معارض له، ومقدم على الإجماع الظني كذلك، عند تعارضهما، أما الإجماع الظني فليس مقدما على النصوص مطلقا، بل على ما دونه في القوة، هذا مع التنبيه والتأكيد على أنه لم يوجد قط إجماع قطعي أو ظني صحيح على خلاف النص، فكثيرا ما يتوهم البعض أن هناك إجماعا في مسألة، ويرى أدلة تخالف ذلك الإجماع المدعى فلا يجد ما يلجأ إليه للتوفيق إلا القول بأن النص من الكتاب أو السنة منسوخ بدليل آخر لم نطلع عليه أو يتكلف في إظهار ذلك الناسخ، مع أن الإجماع الذي ذهب إليه واعتمده ليس صحيحا أصلا، بل يكون هناك من خالف في ذلك الحكم من العلماء، ولكن خفي قولهم ولم يطلع عليه فحكى الإجماع، قال شيخ الإسلام رحمه الله: (ولا ريب أنه إذا ثبت الإجماع كان ذلك دليلا على أنه منسوخ، فإن الأمة لا تجتمع على ضلالة، ولكن لا يعرف إجماع على ترك نص إلا وقد عرف النص الناسخ له، ولهذا كان أكثر من يدعي نسخ النصوص بما يدعيه من الإجماع إذا حقق الأمر عليه لم يكن الإجماع الذي ادعاه صحيحا، بل غايته أنه لم يعرف فيه نزاعا، ثم من ذلك ما يكون أكثر أهل العلم على خلاف قول أصحابه، ولكن هو نفسه لم يعرف أقوال العلماء)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت