وإن كان أصل كلامه على السنن إلا أنه يمكن حمل كلامه على الإجماع من حيث قوة ثبوته وقطعية دلالته، وذلك لأن المعاني التي ذكرها في كلامه يمكن أن تتناوله.
قال محمد بن سليمان بن عمر الحنفي المتوفى سنة 879 في كتابه التحرير والتحبير 3/ 33 - 34 مبينا أقسام الإجماع من حيث قطعيته في الدلالة والثبوت ومقارنا له بنصوص الكتاب والسنة: (ويتحرر هنا أقسام ثمانية: كون الإجماع والنص قطعي السند والمتن، كونهما ظنيي السند والمتن، كون الإجماع قطعيهما والنص ظنيهما، كون الإجماع ظنيهما والنص قطعيهما، كون الإجماع قطعي السند ظني المتن والنص كذلك، كون الإجماع ظني السند قطعي المتن والنص كذلك، كون الإجماع قطعي السند ظني المتن والنص بالعكس، كون الإجماع ظني السند قطعي المتن والنص بالعكس) .
و قال الشيخ محمد بخيت المطيعي: (إنه لا يلزم من قطعية دلالته على الحكم قطعيته في نفسه، كما لا يلزم من قطعية الدال قطعية المدلول، بل تارة يكون الدليل قطعي الدلالة والثبوت معا، وتارة ظنيهما، وتارة قطعيا في أحدهما ظنيا في الآخر، فلا مانع من كون الإجماع قطعي الدلالة ظني الثبوت) سلم الوصول لشرح نهاية السول3/ 318. وهذا -كما أشرنا سابقا - كدلالة كثير من الآيات القرآنية على الأحكام، فإنها مع بلوغها الغاية في القطع والثبوت، إلا أن دلالتها على حكم معين قد تكون مظنونة، ومثل ذلك بعض الأحاديث، وكل هذا لا يقدح في حجيتها وصلاحيتها للاستدلال.
فباختلال أي شرط من هذه الشروط يخرج الإجماع من مسمى الإجماع القطعي ويكون ظنيا، ولا يشترط فقدانها كلها، بل فقدان واحد منها -ولو مع وجود غيره - كاف في الحكم على الإجماع بأنه ظني؛ إلا أنه هناك قسم من الإجماع القطعي الذي لا يشترط فيه وجود هذه الشروط بالتحديد، ومع ذلك فيعد من أقوى الإجماعات بل أقواها هو ما لم يختلف العلماء كلهم في القول به واعتباره، وهو الإجماع على القضايا أو المسائل المعلومة من الدين بالضرورة، وإن اختلفوا في تكييفه من حيث هل قطعيته اكتسبها من اتفاق الناس عليه؟ أم من النصوص الشرعية الصريحة التي اعتمد عليها؟.قال السيوطي - رحمه الله - في الأشباه والنظائر 1/ 488: (منكر المجمع عليه أقسام: أحدها ما نكفره قطعا وهو ما فيه نص وعلم من الدين بالضرورة، بأن كان من أمور الإسلام الظاهرة التي يشترك في معرفتها الخواص والعوام كالصلاة والزكاة والصوم والحج وتحريم الزنا