الصفحة 14 من 83

والمنقول تواترا، كونه مستندا إلى نص من الكتاب أو السنة، وإلا فلا يحكم بقطعيته، وإن كان من جهة الواقع ليس ثمة إجماع إلا وفيه نص قد يعلمه بعض المجتهدين ويخفى على بعضهم ولكن لا يمكن أن يغيب عن جميعهم.

ويبقى هنا أمر مهم يلزم التنبيه عليه، وهو دلالة الحكم المجمع عليه على الواقعة المراد إدخالها في ذلك الحكم، فينبغي أن تكون تلك الدلالة قطعية أيضا، إذ إن الظن كما يكون بسبب الكيفية أو بسبب السند فإنه يحصل كذلك بسبب الدلالة، وفي مثل هذه الحالة قد يكون الإجماع قطعيا في نفسه إلا أنه ظني بالنسبة لشمول حكمه للنازلة الطارئة، ومن هنا نعلم أن الخطأ في الاجتهاد قد يكون من هذه الحيثية، إذ قد يظن المجتهد أحيانا أن الدليل من الكتاب أو السنة أو الإجماع يندرج فيه ما أراد معرفة حكمه الشرعي وليس الأمر كذلك في نفسه، بل قد يظن أن دخوله في ذلك الحكم قطعي وهو بخلاف ذلك، فيقع بسبب ذلك الخطأ في الاجتهاد، وليس هذا خاصا بدليل الإجماع بل يدخل في ذلك الكتاب والسنة أيضا، فإننا نعلم أن آيات القرآن وكثيرا من الأحاديث النبوية قطعية الثبوت إلا أنها كثيرا ما تكون ظنية الدلالة ولهذا تجد في الآية الواحدة أو الحديث الواحد أقوالا متعددة ومختلفة للعلماء، فالأدلة تنقسم من حيث ثبوتها ودلالتها إلى أقسام أربعة: قطعية الثبوت والدلالة، كبعض النصوص المتواترة التي لم يختلف فيها، كقوله تعالى (تلك عشرة كاملة) ، والثاني قطعية الثبوت ظنية الدلالة، كبعض النصوص المتواترة التي يختلف في تأويلها، والثالث ظنية الثبوت قطعية الدلالة، كبعض أخبار الآحاد الظنية ذات المفهوم القطعي، والرابع ظنية الثبوت ظنية الدلالة، كبعض أخبار الآحاد التي يكون مفهومها ظنيا؛ قال شيخ الإسلام - رحمه الله - في كلامه على قطعية الأحاديث من حث ثبوتها ودلالتها: (ثم هي منقسمة إلى ما دلالته قطعية؛ بأن يكون قطعي السند والمتن، وهو ما تيقنا أن رسول الله قاله، وتيقنا أنه أراد به تلك الصورة، وإلى ما دلالته ظاهرة غير قطعية ... وتارة يختلفون في كون الدلالة قطعية لاختلافهم في أن ذلك الحديث: هل هو نص أو ظاهر؟ وإذا كان ظاهرا فهل فيه ما ينفي الاحتمال المرجوح أولا؟ وهذا أيضا باب واسع، فقد يقطع قوم من العلماء بدلالة أحاديث لا يقطع بها غيرهم، إما لعلمهم بأن الحديث لا يحتمل إلا ذلك المعنى، أو لعلمهم بأن المعنى الآخر يمنع حمل الحديث عليه، أو لغير ذلك من الأدلة الموجبة للقطع.) مجموع الفتاوى 20/ 257 - 259، وما ذكره شيخ الإسلام هنا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت