الرسول الهدى) مجموع الفتاوى 7/ 39.
فقوله:- (ما يقطع به من الإجماع) هذا هو الشرط الأول من الشروط الثلاثة، وهو أن الإجماع ينبغي أن ينقل بطريق التواتر كي يحكم بقطعيته وقد أوضحنا وجه ذلك سابقا.
وقوله: (ويعلم يقينا أنه ليس فيه منازع من المؤمنين أصلا) هو الشرط الثاني المتعلق ببيان الكيفية التي ينعقد بها الإجماع حتى يكون قطعيا، وذلك بأن يكون صريحا، ولا يكون كذلك إلا حيث انعقد بقول جميع المجتهدين أو بفعلهم أو بهما جميعا، أو يكون فيما علم بالضرورة من الدين، فلا يبقى لإدخال الإجماع السكوتي وجه، إذ يستحيل القطع فيه بعدم وجود مخالف إلا إذا احتفت القرائن بالساكتين مشيرة إلى رضاهم وإقرارهم بالحكم، ومثل هذا لا يسمى إجماعا سكوتيا كما مر بيانه.
وقوله (وهذا لابد أن يكون مما بين فيه الرسول الهدى) هو إشارة إلى الشرط الثالث من أن الإجماع لابد أن يستند إلى نص من الكتاب أو السنة ليصلح أن يكون قطعيا والله أعلم.
-وخلاصة القول في حقيقة الإجماع القطعي حسبما بينها علماء الأصول وأوضحوها في كتبهم، أنه يحكم عليه بذلك إذا توفرت فيه ثلاثة شروط:
الأول: أن تكون الكيفية التي حصل بها الإجماع واقعة بالإجماع الصريح، وذلك بقول كل المجتهدين أن الحكم في المسألة الفلانية كذا أو بفعلهم جميعا، بأن يفعلوا -كلهم - فعلا يدل على حكم في مسألة معينة، أو أن يقول بعضهم ويفعل الباقون ما يوافق حكم القائلين، أو يكون الإجماع على أمر معلوم من الدين بالضرورة، وبهذا يتبين أن الإجماع السكوتي لا يمكن أن يكون إجماعا قطعيا بأي حال من الأحوال، لا سيما إذا علمنا أن بعض الأصوليين لم يجعلوا الإجماع قطعيا إلا إذا وقع بالنطق فقط، كما نقلناه عن ابن بدران والشنقيطي، مع أن الظاهر - والله اعلم - أنه لا معنى لتخصيصه به، فالقول والفعل كلاهما من أقسام الإجماع الصريح، ولا موجب للتفرقة بينهما، إلا إذا قصدوا شمول النطقي للفعلي فيصح مع أن فيه بعدا.
الثاني: أن تنقل الكيفية المذكورة التي انعقد بها الإجماع بالتواتر، فإذا نقل عن طريق الآحاد فلا يحكم للإجماع بأنه قطعي، أو أن يكون الإجماع الصريح مشاهدا، فيحصل القطع لمشاهده دون من سواه. والمقصود بالمتواتر: هو ما رواه عدد تحيل العادة تواطئهم على الكذب.
الثالث: وهذا مأخوذ من كلام شيخ الإسلام، وهو كون الإجماع المنعقد بالكيفية المذكورة