يمكن القطع فيه بعدم وجود المخالف، وعلى هذا فهو المقصود في كلام شيخ الإسلام هنا، ولا يقال إنه سماه إجماعًا قطعيًا بالنظر إلى الجزم بعدم وجود المخالف من غير مراعاة نقله تواترًا لأن الأول مستلزمٌ للثاني، إذ لا يمكن القطع والجزم بعدم وجود المخالف إلا إذا اعتبرنا النقل بالتواتر في الإجماع الصريح، لأن الظن كما يكون بسبب الكيفية التي انعقد بها الإجماع كذلك يكون بسبب السند إن نُقل آحادا وهذا بينٌ والحمد لله.
3 -وقوله - رحمه الله - (وأن كل ما أجمعوا عليه فلابد أن يكون فيه نصٌ عن الرسول) ، هو بيان للشرط الثالث وهو أن الإجماع القطعي لابد أن يكون مستندًا إلى نصٍ من الكتاب أو السنة فلا يُتصور أن الأمة جميعها تغفل عن نص صريح في المسألة وتلجأ إلى اجتهادٍ أو قياسٍ تعتمد عليه في إجماعها - مع وجود النص - فإن حصل من بعضها فلا يكون من كلها.
وقال شيخ الإسلام: (ما من حكم اجتمعت الأمة عليه إلا وقد دل عليه النص، فالإجماع دليل على نص موجود معلوم عند الأئمة ليس مما درس علمه، والناس قد اختلفوا في جواز الإجماع عن اجتهاد؛ ونحن نجوز أن يكون بعض المجمعين قال عن اجتهاد، لكن لا يكون النص خافيا على جميع المجتهدين، وما من حكم يعلم أن فيه إجماعا إلا وفي الأمة من يعلم أن فيه نصا وحينئذ، فالإجماع دليل على النص) منهاج السنة النبوية 8/ 344.
وقال أيضا: (وذلك لأن كل ما أجمع عليه المسلمون فإنه يكون منصوصًا عن الرسول، فالمخالف لهم مخالف للرسول، كما أن المخالف للرسول مخالف لله، ولكن هذا يقتضي أن كل ما أجمع عليه قد بينه الرسول وهذا هو الصواب، فلا يوجد قط مسألة مجمع عليها إلا وفيها بيان من الرسول، ولكن قد يخفى ذلك على بعض الناس ويعلم الإجماع فيستدل به) مجموع الفتاوى 19/ 194 - 195.
وقال أيضا: (والتحقيق: أن الإجماع المعلوم يكفرُ مخالفه كما يكفر مخالف النص بتركه، لكن هذا لا يكون إلا فيما عُلِمَ ثبوت النص به، وأما العلم بثبوت الإجماع في مسألة لا نص فيها فهذا لا يقع) مجموع الفتاوى19/ 270.
ومما يفهم منه اشتراط ابن تيمية للأمور الثلاثة المذكورة آنفا حتى يحكم على الإجماع بأنه إجماع قطعي قوله رحمه الله:- ( ... والصواب التفصيل بين ما يقطع به من الإجماع، ويعلم يقينا أنه ليس فيه منازع من المؤمنين أصلا، فهذا يجب القطع بأنه حق، وهذا لابد أن يكون مما بين فيه