الصفحة 11 من 83

قال شيخ الإسلام - رحمه الله: (وكذلك قوله {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين} - إلى أن قال - وهذه الآية تدل على أن إجماع المؤمنين حجة من جهة أن مخالفتهم مستلزمة لمخالفة الرسول، وأن كل ما أجمعوا عليه فلابد أن يكون فيه نص عن الرسول، فكل مسألة يقطع فيها بالإجماع وبانتفاء المنازع من المؤمنين مما بين الله فيه الهدى ومخالف مثل هذا الإجماع يكفر كما يكفر مخالف النص) مجموع الفتاوى 7/ 38 - 39.

فإذا تأملت في كلامه - رحمه الله - تجلت الشروط الثلاثة التي ذكرناها قبل قليل وهي كالتالي:

1 -فقوله: (فكل مسألة يقطع فيها بالإجماع) : أي يقطع بأن هذه المسألة قد وقع فيها إجماع وهذا - والله اعلم - إشارة إلى اشتراط التواتر في النقل، وهو أحد شروط الإجماع القطعي، ولا ريب أننا لا نستطيع القطع يقينًا بوقوع إجماع - صريحًا كان أو سكوتيًا- على مسألة معينة بكيفية معينة إلا حيث وصلنا انعقاده عن طريق التواتر وإلا فهو باقٍ في دائرة الظن.

2 -قوله: (وبانتفاء المنازع من المؤمنين) وهذا ظاهرٌ في اشتراط كون الإجماع صريحًا بأن ينعقد بقول جميع المجتهدين أو فعلهم أو بهما معًا، بحيث لا يبقى بعضهم ساكتا دون ما يدل على إقراره، أو أن يكون من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة، وذلك لأنه في مثل هذه الحالات فقط يمكن القطع يقينًا بعدم وجود مخالف، أما الإجماع السكوتي فيبقى احتمال وجود مخالف قائمًا مما يجعله لا يتجاوز دائرة الظن كما ذكرنا من قبل، قال شيخ الإسلام: (وأما الظني فهو الإجماع الإقراري والاستقرائي، بأن يستقرئ أقوال العلماء فلا يجدُ في ذلك خلافًا، أو يشتهر القول في القرآن ولا يعلم أحدًا أنكره، فهذا الإجماع وإن جاز الاحتجاج به فلا يجوز أن تدفع النصوص المعلومة به، لأن هذا حجة ظنية لا يجزم الإنسان بصحتها، فإنه لا يجزم بانتفاء المخالف وحيث قطع بانتفاء المخالف فالإجماع قطعي، وأما إذا كان يظن عدمه ولا يقطع به فهو حجة ظنية) مجموع الفتاوى 19/ 467 وقوله - رحمه الله - هنا: (وحيث قطع بانتفاء المخالف فالإجماع قطعي) مع حكمه على الإجماع الإقراري والاستقرائي بأنه حجة ظنية، يوضح أن القطع بعدم وجود المخالف لا يكون في الإجماع الإقراري والاستقرائي، ولا يوجد غيره من الإجماعات إلا الإجماع الصريح المنعقد بقول جميع المجتهدين أو فعلهم أو بهما، أو كان معلوما من الدين بالضرورة، وذلك لأنه ليس من قسم الإجماع الإقراري والاستقرائي، وبهذا صار هو فقط الذي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت