الصفحة 9 من 19

قال الله تعالى (مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا) [النساء:85] ، وفي الحديث حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا جَاءَهُ السَّائِلُ أَوْ طُلِبَتْ إِلَيْهِ حَاجَةٌ قَالَ اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا وَيَقْضِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا شَاءَ) [1] وفي هذه النصوص حثّ على المعونة بالشفاعة الحسنة، والمعونة ترجع إلى خلق حب العطاء،"والشفاعة تقوية لطلب صاحب الحاجة يطلب شفيع له ذي مكانة عند من حاجته عنده، لأنه مجهول لديه، أو لأنه مذنب تجاهه، أو لأن بينهما جفوة ما، أو لغير ذلك من أسباب كثيرة يصعب حصرها، فيلتمس شفيعًا يساعده في توجيه الطلب أو الالتماس من أجله، ويتحرّى أن يكون هذا الشفيع من ذوي المكانة أو أصحاب الدالّة لدى من عنده تلبية الطلب أو رفضه، فإذا شفع له عنده نال بغيته، فيكون الشفيع قد منحه من جاهه ومكانته لدى من شفع عنده، فإذا قال في شفاعته قولًا حسنًا فقد منحه من كلامه، وإذا سار معه مسافة ليشفع له فقد منحه من جهده ووقته، وإذا خسر من ماله شيئًا في هذا السبيل فقد منحه من جهده وقته، وإذا خسر من ماله شيئًا في هذا السبيل فقد منحه أيضًا ماله، وإذا شاركه في مشاعره وأحاسيسه فقد منحه أيضًا من قلبه ونفسه."

والشفاعة الحسنة بين المسلمين مظهر من مظاهر الجسدية الواحدة، التي يتشاركون بها في مشاعر الآلام والمسرّات، وبها يتساعدون ويتساندون ويتعاونون.

من أجل ذلك حث الله تبارك وتعالى والرسول الكريم على الشفاعة الحسنة، وفي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا وَيَقْضِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا شَاءَ) حث على الشفاعة الحسنة، فهو يطلب من أصحابه أن يشفعوا لذوي الحاجات عنده، سواء أكان الرسول مستعدًا لتلبية الشفعاء أو لم يكن مستعدًا لذلك. وفي هذا توجيه لهم أنه لا ينبغي أن يربطوا شفاعتهم برجاء الإجابة، فإنهم يأجرون على شفاعتهم مهما كانت النتائج، وأنه لا ينبغي أن تتأثر قلوبهم إذا لم يجابوا إلى ما شفعوا فيه، فالأمور مرهونة بالقضاء الرباني، وهذا القضاء ينبغي للمؤمن أن يتقبله بالرضا التام." [2] "

3 -بذل النصيحة والمشورة بين الأخوة:

قال الله تعالى (وَالْعَصْرِ(1) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) [العصر: 1 - 3] ورأس النصائح وأنفسها هي ما ورد في الآية الكريمة (الحق والصبر) فالنصيحة بالتوحيد والثبات عليه، والنصيحة بالمنهج الحق والالتزام بالسنة والهدي النبوي، والصبر على ذلك كله هي من أغلى النصائح وأنفسها، وواجب على الموحدين بذلها فيما بينهم.

ومن هنا ندرك جريمة علماء السوء الذين يغشوا الناس ويضيعوا حقائق التوحيد من حياتهم، ويدخلون في ولاء حكومات الكفر والضلال.

وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يبايعون على النصح للمسلم كما قال جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه: (بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ) [3]

وكون النبي صلى اله عليه وسلم يقرنها مع الصلاة والزكاة التي هي أركان الإسلام ليدلنا على عظم شأنها وعلو منزلها.

ومثله حديث تميم بن أوس الداري رضي الله عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (الدِّينُ النَّصِيحَةُ قُلْنَا لِمَنْ قَالَ لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ) [4] .

(1) البخاري رقم (1342) .

(2) الأخلاق الإسلامية / حبنكة (1/ 207،208) .

(3) رواه البخاري رقم (55) .

(4) مسلم رقم (82) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت