الصفحة 15 من 19

رابعًا: محاذير في طريق الأخوة: [1]

1 -الغيبة والنميمة و والتجسس والسخرية و التعيير والغمز:

قد نهى الله سبحانه وتعالى الذين آمنوا أن يغتاب بعضهم بعضًا، فقال تعالى: (وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَاكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ) [الحجرات: 12] .

والغيبة أن يذكر الإنسان أخاه في غيبته بما يكره، روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟ قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ. قِيلَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ) فمن ذكر أخاه في غيبته بما يكره مما هو فيه فتلك هي الغيبة، ومن ذكر أخاه في غيبته بما يكره مما ليس فيه، فقد بهته، أي كذب عليه واتهمه بما ليس فيه.

والغيبة من القبائح الاجتماعية التي لا يليق بالذين آمنوا أن يرتكبوها، فيغتاب بعضهم بعضًا، وقد حرمها الله ونهى عنها، لما فيها من تقطيع أواصر الأخوة الإيمانية، وإفساد المودات، وبذر بذور العداوات، وذلك لأن الغيبة في الغالب لا تبقى سرًّا، بل يصل العلم بها لمن ذكر غيبته بما يكره، فقلَ في الناس من يكتم حديثًا، وعندئذٍ يغضب ممن ذكره، ويحقد عليه، وينتقم منه بمثل عمله أو بأقبح منه، وفي نشر معايب الناس بين الناس تشجيع على الاستهانة بها وارتكاب مثلها أو أقبح منها، لا سيما إذا كان المتحدث عنه من المعروفين بالاستقامة، أو من مستورين هذا الحال، أو ممن يشار إليه بالبنان، أو من الدعاة إلى الخير.

وللتنفير من الغيبة جعلها الله مثل من يأكل لحم أخيه ميتًا، فقال تعالى: (وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَاكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ) كما سبق، وذلك أن من يذم أخاه المؤمن ويتحدث عن نقائصه ومعايبه، ويؤذيه أذى يشبه أذى من يعضه ويأكل لحمه، فإذا كان ذلك في غيبته وعلى غير شعور منه، كان كمن يعضّه ويأكل لحمه وهو ميت لا يحس ألم العضّ والأكل.

وقد وردت كثير من الأحاديث في التحذير من الغيبة ليس هذا موطن بسطها.

أما فيما يتعلق بالتجسس والتحسس، فالتجسس على الناس هو تبع عوراتهم وهم في خلواتهم، إما بالنظر إليهم وهم لا يشعرون، وإما باستراق السمع وهم لا يعلمون، وإما بالإطلاع على مكتوباتهم ووثائقهم وأسرارهم وما يخفوه من أعين الناس دون أذن منهم.

وقد نهى الله المؤمنين الموحدين عن التجسس على إخوانهم المؤمنين، ما داموا ظاهري الاستقامة غير مجاهرين بالمعصية وكان ما يخفونه من أمورهم من السلوك الشخصي الذي يخّصهم، ولا يتعلق بكيد يكيدونه للمسلمين.

وقد نهى الله عن التجسس، لأن من حق المسلم أن يخلوا بنفسه دون أن يطلع عليه أحد إلا الله، ومن حقه أن يستر قبائحه ومعاصيه إذا كان له منها شيء، وليس من حق المجتمع أن يراقبه في خلواته الخاصة، حتى يجاهر بذنبه أو يكشف صفحة نفسه وما يخفى من مخالفاته ومعاصيه.

قال تعالى: (ولا تجسسوا) والتجسس والتحسس كلاهما يولد في المجتمع الأحقاد، ويورث العداوات والبغضاء، إذ يشعر المتجسس عليه بأنه مشكوك في أمره غير موثوق، وهما يكشفات عورات الناس، ويتسببان في نشر الفاحشة في الذين آمنوا.

أما النميمة، فالنميمة هي السعي بين الناس بالإفساد، لتحريض الناس بعضهم على بعض، والإيقاع بينهم، وشحن قلوبهم بالعداء والضغينة، والنميمة قد تكون للإفساد بين صديقين، أو شريكين، أو زوجين، أو قريبين، أو حبيبين أو أسرتين، أو قبيلتين، أو شعبين، أو دولتين، أو أي فريقين، بينهما صلات، ومودات.

وهي أخبث وسائل التفريق الشيطانية، وقد أبان رسول الله صلى الله عليه وسلم أن النمام لا يدخل الجنة، روى مسلم في صحيحه عن حذيفة: (لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ) [2] .

(1) استفدنا في صياغة عدد من المحاذير من كتاب الأخلاق الإسلامية للشيخ حبنكة مع تعديلات وإضافات فآجره الله.

(2) مسلم رقم (151) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت