الصفحة 16 من 19

أما فيما يتعلق بالغمز واللمز والتعيير والسخرية، فاللمز هو أن يعيب الإنسان أخيه في وجهه بكلام ولو خفيّ، ورب لمز خفي هو أشد من طعن صريح، وأعمق من جرحًا في داخل النفس، لأنَ فيه بالإضافة إلى الطعن والتجريح بالعيب معنى استغباء الملموز واستغفاله، فكأن اللامز يشعر اللذين في المجلس أن الملموز غبي لا ينتبه إلى الطعن الذي يوجه ضده في رمز الكلام.

اللمز والغمز قبيحة اجتماعية تورث الأحقاد والأضغان، وتقطع أواصر الأخوة الإيمانية، وهو ظلم وعدوان وفي النهي عن اللمز يقول تعالى: (ولا تلمزوا أنفسكم) [الحجرات: 11] ، ونلاحظ أن القرآن عبر عن لمز الأخ الموحد لأخيه بلمز نفسه وكأنهم جسد واحد.

وكذلك السخرية فإن السخرية تنافي ما يوجبه الحق، وهي ظلم قبيح، وإيذاء للأخ وعدوان على كرامته، وإيذاء لنفسه وقلبه، ومن آثارها أنها تقطع الروابط الاجتماعية القائمة على الأخوة والتوادّ والتراحم، وتبذر بذور العداوة والبغضاء، وتولد الرغبة بالانتقام.

يقول الله تعالى: (يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ) [الحجرات: 11] ، وهذا التحقير الاستصغار الذي تعبر عنه السخرية إما أن يكون له من ظاهر ما يسخر منه مبرر، وإما أن لا يكون له مبرر مطلقًا، وإنما كانت السخرية نوع من المقاومة العدوانية لذات الشخص المسخور منه، أو لفكرته أو لعمله، وكلا الأمرين ظلم قبيح وعدوان منكر يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَحْتَقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ) [1] فهذه المنكرات الاجتماعية لها أثر كبير في تمزيق الأخوة وتشقيق جسدها، وبذر بذور الحقد والضغينة، وهو ما لا يرضاه المولى عز وجل، وهو ما لا يجب أن يظهر في المجتمع المسلم.

2 -الغضب والحسد يحرقان الأخوة:

الغضب شعلة محرقة من النار، تحرق الأخوة الإيمانية، وتنزع بالإنسان لسلوك الشيطان، ومن نتائج الغضب الحقد والحسد ولذلك فإن الدين نهى عن الغضب أشد النهي، وأرشد لعلاجه، يقول النبي صلى الله عليه وسلم موصيًا الرجل الذي طلب الوصية: (لَا تَغْضَبْ فَرَدَّدَ مِرَارًا قَالَ لَا تَغْضَبْ) [2] ، وحقيقة الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام، يقول ابن قدامة المقدسي:"متى قويت نار الغضب والتهبت، أعمت أصحابها، وأصمته من كل موعظة، لأن الغضب يرتفع للدماغ، فيغطي على معادن الفكر، وربما تعدى إلى معادن الحس، فتظلم عينيه حتى لا يرى بعينيه" [3] .

ومدح الله سبحانه وتعالى الذين يكظمون غيظهم وغضبهم، فقال تعالى في معرض المدح: (والكاظمين الغيظ) [آل عمران: 134] ، وفي الحديث: (مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ دَعَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ اللَّهُ مِنْ الْحُورِ الْعِينِ مَا شَاءَ) [4] .

وكذلك الحسد، والحسد من شر معاصي القلوب، ومعاصي القلوب أشد إثمًا من كثير من معاصي الجوارح، نظرًا إلى آثارها الخطيرة على السلوك.

وعلة داء الحسد ترجع إلى الإفراط في الأنانية وحب الذات، مع ضعف في الإيمان بكمال حكمة الله تعالى، الأمر الذي يفضي إلى الاعتراض على الله في حكمته التي وزع على مقتضاها عطاءه بين خلقه ليبلوهم فيما آتاهم، فضرره من هذه الناحية يمس جانب الإيمان ويؤثر فيه.

وداء الحسد قديم في الناس، روى الإمام أحمد الترمذي عن الزبير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ الْحَسَدُ وَالْبَغْضَاءُ هِيَ الْحَالِقَةُ لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا أَفَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِمَا يُثَبِّتُ ذَاكُمْ لَكُمْ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ) [5] .

(1) الترمذي رقم (1850) وقال: قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَفِي الْبَاب عَنْ عَلِيٍّ وَأَبِي أَيُّوبَ.

(2) البخاري رقم (5651) .

(3) مختصر منهاج القاصدين (179) .

(4) أبو داود وغيره رقم (4147) وهو صحيح.

(5) الترمذي (2434) صحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت