ثالثًا: حقوق وواجبات الأخوة الإيمانية:
الأخوة الإيمانية واجب ديني، وفريضة شرعية وليسن مجرد موقف نفسي أو تنظير فلسفي،، بل هي مجموعة من الأعمال تظهر إلى حيز الوجود، وتعبّر عن حقيقة الأخوة وها هنا بيان مجمل هام لواجبات الأخوة بعضهم تجاه بعض، والتي تمليها مجموعة من النصوص الشرعية الصحيحة، وهي مضمنة أيضا مجموعة من المستحبات التي يندب النهوض للقيام بها.
فعلى كل موحد صادق أن يراجع نفسه ويرى علاقته بأخوته ومدى تطابقها مع تعليمات الشريعة السمحة.
1 -محبته في الله وموالاته، والمداومة على ذلك ما دام الأخ على عقد الإيمان:
دلت النصوص أن على الموحدين أن يتبادلوا الحب في ذات الله عز وجل، وتسود روح الأخوة فيما بينهم وقد سبقت النصوص في بيان فضل التحاب بالله.
أما في بيان الوجوب فجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: (لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا) [1] ويقول ابن هشام في السيرة النبوية: (قال ابن إسحاق: ثم خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس مرة أخرى فقال: إن الحمد لله أحمده وأستعينه نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له إن أحسن الحديث كتاب الله، تبارك وتعالى، قد افلح من زينه اله في قلبه، وادخله الإسلام بعد الكفر، واختاره على ما سواه من أحاديث الناس إنه احسن الحديث وأبلغه، أحبوا ما أحب الله، أحبوا الله من كل قلوبكم، ولا تملوا كلام الله وذكره، ولا تقس عنه قلوبكم، فإنه من كل ما يخلق الله يختار ويصطفي، وقد سماه الله خيرته من الأعمال، ومصطفاه من العباد والصالح من الحديث، ومن كل ما أوتى الناس الحلال والحرام، فاعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، اتقوه حق تقاته اصدقوا الله صالح ما تقولون بأفواهكم، وتحابوا بروح الله بينكم، أن الله يغضب أن ينكس عهده، والسلام عليكم) . [2]
وهذا الحديث نص في وجوب التحاب في الله تعالى بين المؤمنين، فهو أمر والأمر محمول على الوجوب، كما هو معلوم في أصول الفقه إلا بصارف يصرفه للندب أو الاستحباب.
وقد أرشد المصطفى صلى الله عليه وسلم المؤمنين أن يخبروا بعضهم بهذه المحبة، روى أنس بن مالك رضي الله عنه وغيره قال: (َ مَرَّ رَجُلٌ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ جَالِسٌ فَقَالَ الرَّجُلُ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّ هَذَا فِي اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرْتَهُ بِذَلِكَ قَالَ لَا قَالَ قُمْ فَأَخْبِرْهُ تَثْبُتْ الْمَوَدَّةُ بَيْنَكُمَا فَقَامَ إِلَيْهِ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ أَنِّي أُحِبُّكَ فِي اللَّهِ أَوْ قَالَ أُحِبُّكَ لِلَّهِ فَقَالَ الرَّجُلُ أَحَبَّكَ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي فِيهِ) . [3]
وأرشد المصطفى صلى الله عليه وسلم المؤمنين أن يتعاهدوا هذه المحبة وينموها عن طرق متعددة، منها الإهداء من غير تكلّف فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تَصَافَحُوا يَذْهَبْ الْغِلُّ وَتَهَادَوْا تَحَابُّوا وَتَذْهَبْ الشَّحْنَاءُ) . [4]
وأرشدهم إلى السلام لإدامة المحبة فقال صلى الله عليه وسلم: (لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ) .
وغيرها من الإرشادات التي سوف نأتي على معظمها في باقي الواجبات والتي يفد معظمها دوام المحبة بين الاخوة ورعايتها.
وعلى ذلك فإني أقول إن المحبة بين المؤمنين هي ركن الأخوة الذي تدور عليه، فينبغي على المتحابين في الله، أن يتفقدوا أنفسهم وقلوبهم بين وقت وآخر، وينظروا هل خالط هذه المحبة ما ينغصها ويكدرها ويخرجها عن حقيقتها أم لا.
2 -المواساة وحسن الصحبة والعشرة:
وتكون المواساة وحسن الصحبة بعدة نقاط منها:
أً - وجوب العَود بالفضل:
(1) مسلم رقم (81) .
(2) سيرة أبن هشام (3/ 30) .
(3) رواه أبو داود (4460) وأحمد (130456) بسند صحيح.
(4) رواه مالك (1413) وهو حسن.