الصفحة 6 من 19

فينزل المسلم أخاه المسلم منزلة الصاحب لديه، فيقوم بحاجته من فضل ماله إذا احتاج، ولا ينتظر سؤاله فإن ألجأه إلى السؤال فهو دليل على تقصيره في حق أخيه، وإذا أنحط المسلم عن هذه المرتبة فهو مقصر مذنب يحتاج إلى فحص نفسه، وتهذيبها والتوبة إلى الله تعالى.

روى أن رجلًا جاء أبي هريرة فقال: إني أريد أواخيك في الله فقال: أتدري ما حق الإخاء في الله؟ قال له: عرفني!

قال: ألا تكون أحق بدينارك ودرهمك مني! فقال الرجل: لم أبلغ هذه المنزلة بعد. فقال أبو هريرة رضي الله عنه: فدعك عني.

وليس هذا من بنات أفكار أبي هريرة رضي الله عنه فقد وردت مجموعة من الأحاديث تأكد هذه الحقيقة العظيمة التي مفادها أن المؤمنين بوتقة واحدة، ليس بينها حواجز، إليك طرفًا منها:

-عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ بَيْنَمَا نَحْنُ فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى رَاحِلَةٍ لَهُ قَالَ فَجَعَلَ يَصْرِفُ بَصَرَهُ يَمِينًا وَشِمَالًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ظَهْرَ لَهُ وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ مِنْ زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا زَادَ لَهُ قَالَ فَذَكَرَ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ مَا ذَكَرَ حَتَّى رَأَيْنَا أَنَّهُ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ مِنَّا فِي فَضْلٍ) [1] .

-عن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهُ اعْتَلَّ بَعِيرٌ لِصَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ وَعِنْدَ زَيْنَبَ فَضْلُ ظَهْرٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِزَيْنَبَ: (أَعْطِيهَا بَعِيرًا فَقَالَتْ أَنَا أُعْطِي تِلْكَ الْيَهُودِيَّةَ فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهَجَرَهَا ذَا الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمَ وَبَعْضَ صَفَرٍ) [2] .

-عن ابن عمر قال: (( ثم لقد أتى علينا زمان أو قال حين وما أحد أحق بديناره ودرهمه من أخيه المسلم ثم الآن الدينار والدرهم أحب إلى أحدنا من أخيه المسلم سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:(كم من جار متعلق بجاره يوم القيامة يقول يا رب هذا أغلق بابه دوني فمنع معروفه. ) ) [3]

وهذه أحاديث عظيمة تفيد وجوب العَود من المسلم بفضل ماله أو زاده أو لباسه أو مسكنه أو كل ما يحتاجه الإنسان إليه إلى أخيه المسلم الأحوج فالأحوج، والأقرب فالأقرب، حيث أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بذلك فقال: (فاليعد) وهذا أمر يحمل على الوجوب.

ومن هنا نعلم مدى التقصير العظيم الذي يقع فيه الموحدين تجاه بعضهم بعض، ويؤكد هذا الفهم للحديث قول ابن عمر رضي الله عنه وهو يحكي لنا حال الصاحبة الكرام: (ثم لقد أتى علينا زمان أو قال حين وما أحد أحق بديناره ودرهمه من أخيه المسلم) ثم قال حاكيا ما آلت إليه الحال بعد الفتوح وتوسع الدنيا: (ثم الآن الدينار والدرهم أحب إلى أحدنا من أخيه المسلم) لله در ابن عمر رضي الله عنه لو يعلم ما حلّ بالناس اليوم تجاه بعضهم البعض لأغلظ فيهم الحكم.

ثم يرتفع بعض المؤمنين الصادقين إلى مرتبة الإيثار فيقدم إخوانه على نفسه فيلحق بأولئك الأفذاذ الذين خلد ذكرهم المولى عز وجل في القرآن الكريم: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ) [الحشر: 9] فيصبح من المفلحين الذين يغبطهم الشهداء والنبيون.

-عن يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: (سَمِعْتُ أَنَسًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ أَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُقْطِعَ مِنْ الْبَحْرَيْنِ فَقَالَتْ الْأَنْصَارُ حَتَّى تُقْطِعَ لِإِخْوَانِنَا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ مِثْلَ الَّذِي تُقْطِعُ لَنَا قَالَ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي) [4] .

ومن هذا النوع من الإيثار الذي يعجز الزمان أن يأتي بمثله، ما حصل بين المهاجرين والأنصار عندما آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم بعد الهجرة.

(1) مسلم (3253) .

(2) أبو داود (3986) وغيره وهو حسن.

(3) رواه البخاري في الأدب المفرد وهو حسن رقم (199) .

(4) رواه البخاري رقم (2203) يقطع: يقسم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت