الصفحة 895 من 1360

فوجئوا بدموع الشيخ تنهال على لحيته، ورأوه يبكي وهو الذي تحمل كل صنوف التعذيب فلم تخنه عبراته، رأوه يبكي حنينًا وشوقًا لمجد تعب في تحصيله الأجداد فأضاعه الأحفاد.

وفي فترة سجنه التي استمرت ثلاث سنوات ضرب الشيخ أروع الأمثلة في الصبر والثبات، مستعينًا على ذلك بأنواع الطاعات من الصيام والقيام وغير ذلك، وقد كان يداوم على قيام الليل بجزء كامل كل ليلة، حتى إن بعض إخوانه كانوا يتعبون من متابعتهم له، بل كان البعض يتهرب من الصلاة خلفه، هذا وهو يومها كهل مصاب بعدة أمراض، وهم شباب في العشرينيات من أعمارهم.

وما إن منَّ الله عليه بالخروج من السجن في أواخر عام 1984م، حتى عاد الشيخ مرة أخرى لممارسة دوره في الدعوة والصدع بالحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحاول الطغاة إغراءه فعرضوا عليه أن يولوه الخطابة في مسجد كبير بمدينة الفيوم التي كان يقيم فيها، وكان هدفهم من ذلك تحجيمه وعدم توسيع نطاق دعوته، وقد فهم الشيخ ذلك فرفض ذلك العرض مفضلًا أن يكون داعية حرًا يجوب البلاد صادعًا بالحق متحملًا في سبيل ذلك أي مشقة وابتلاء.

ثم تولى الطاغوت اللواء زكي بدر وزارة الداخلية في عام 1986م وبدأت مرحلة جديدة كانت سياسة النظام فيها الاعتقالات المتكررة والضرب في سويداء القلب، كما كان يكرر ذلك الوزير الهالك عليه من الله ما يستحقه، واستمر الشيخ في دعوته متحملًا ما يلقاه في ذلك من التضييق والاعتقال، ثم فُرض عليه حصار ظالم مُنع بمقتضاه من الخروج من إطار مدينة الفيوم وما حولها، ولكن ذلك لم يمنعه من مواصلة دعوته فكان يتحرك داعيًا إلى الله في تلك المنطقة، كما كان يسجل بعض الأشرطة ويرسلها لإخوانه في المناطق الأخرى، بل كان أحيانًا يخاطر بخرق هذا الحصار، ويقوم من أجل ذلك بأنواع من المغامرات التي يتخوف من القيام بها المبصرون، كأن يترك زيه الأزهري إلى أحد إخوانه يلبسه حتى يظن رجال الأمن أنه الشيخ، ثم يخرج هو في لباس آخر وسط مجموعة من الشباب، ثم يتحمل مخاطر السفر والانتقال، وما عسى أن يكون في طريقه من الدوريات ونقاط التفتيش الأمنية.

ثم فرضوا عليه الإقامة الجبرية فمنعوه من الخروج من منزله إلا إلى المسجد القريب للصلاة مأمومًا فيه، ثم منعوا ذلك أيضًا، وفي تلك الفترة أرسل أكبر ولدين له إلى ساحة الجهاد في أفغانستان، وقد كانا في مقتبل العمر لا يزيد عمر أكبرهما عن ستة عشر عامًا، هذا مع حاجته وحاجة الأسرة إليهما إذ كان بقية أولاده لا يزالون أطفالًا صغارًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت