أعلام الجهاد (4) الشيخ الأسير: عمر عبد الرحمن فك الله أسره
هو الشيخ المصري عمر عبد الرحمن الأسير في أيدي الأمريكان، شيخ الجماعة الإسلامية الذي ثبت على الحق رغم السجن والآلام، والغربة والأذى، ورغم ضعف الجسد وكبر السن وتخاذل الإخوان.
كان الشيخ منذ بداياته مثالًا للعالم العامل المعرض عن الدنيا، بصيرًا بأمر دينه حين عميت بصائر المبصرين ..
تولى الخطابة بمساجد وزارة الأوقاف قبل تخرجه من كلية أصول الدين بدءًا من العام 1964م، وكثيرًا ما كان يستدعى للتحقيق من قبل الأجهزة الأمنية، بل أحيل للاستيداع عام 1969م، ثم أعيد ولكن إلى عمل إداري لا يحتك فيه بالجماهير، ثم اعتقل في أكتوبر عام 1970 م بعد إفتائه بأنه لا تجوز صلاة الجنازة على جمال عبد الناصر.
وفي عام 1974 أرادت زوجة الرئيس السابق (السادات) تمرير قانون جديد للأحوال الشخصية يمنع تعدد الزوجات، ويمنع الطلاق إلا على يد القاضي، ووقف الغيورون ضد هذا القانون المخالف لشرع الله، وكان الشيخ واحدًا من هؤلاء الغيورين.
ثم سافر الشيخ إلى أرض الحرمين في إعارة لإحدى الجامعات السعودية، ولكنه قطع إعارته وعاد لمصر في عام 1980م لما أرادوا التضييق عليه ومنعه من الدعوة والخطابة.
ثم جاءت أحداث عام 1981 في مصر، وسُجن الشيخ وقدم للمحاكمة مرتين كما أسلفنا، وقد برئ في كلتا القضيتين بعد ما ذاق التعذيب ألوانًا، لكنه تلقاه بصبر المؤمن وثبات الواثق، وكان كثيرًا ما يردد أثناء تعذيبه: "ذق أيها الجسد الفاني ذق" وحين كان يسأله بعض زبانية التعذيب ماذا كنت تقول بالخارج؟ كان يجيب في غير خوف ولا تردد: "كنت أقول الحق ولو كان مرًا" ولا زالت كلماته القوية في مرافعته أمام محكمة أمن الدولة ماثلة في أذهان من عاصروها من مثل قوله مخاطبًا قاضيه: "أيها القاضي المستشار: حق الله ألزم من حق رئيس الجمهورية، الله يمنعك من الحكومة، والحكومة لا تمنعك من الله" وقوله: "إنني مسلم أحيا لديني وأموت في سبيله، ولا يمكن بحال أن أسكت والإسلام يحارب في كل مكان، أو أن أهدأ وأمواج الشرك والضلالة تتلاطم وتغمر كل اتجاه (كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ) "، وقوله: "أنا لا يرهبني السجن ولا الإعدام ولا أفرح بالعفو أو البراءة، ولا أحزن حين يحكم علي بالقتل؛ فهي شهادة في سبيل الله وعندئذ أقول: فزت وربِّ الكعبة، وعندئذ أقول أيضًا:
ولست أبالي حين أقتل مسلمًا ... على أيِّ جنبٍ كان في الله مصرعي"
كما كان موقف الشيخ واضحًا في مرافعته من أنظمة الحكم المخالفة لشرع الله تعالى، وفقدانها للشرعية بسبب امتناعها عن تطبيق شرع الله، حتى كان محاموه يشفقون عليه من أن تتخذ أقواله تلك دليل إدانة ضده، فكانوا يتدخلون ليقولوا للمحكمة: إنه لا يقول هذا الكلام بصفته متهمًا في القضية، وإنما بصفته واحدًا من علماء المسلمين.
وإذا كانت مواقفه في وجه الظلم والظالمين قد اتسمت بهذا القدر الذي أشرنا إليه من القوة والصلابة، فإن مواقفه مع إخوانه وتلاميذه كانت تتسم بحنو الوالد، وحرص الأستاذ والمعلم على محبيه ومريديه، فكان دائم المواساة لهم والتسرية عنهم، كما كان الشيخ - ولا يزال - حاملًا همّ الإسلام والمسلمين، شديد الحزن والتأثر لما آلت إليه أحوال الأمة من ضعف وذلة، حتى إنه استمع إبان محاكمته في قضية اغتيال السادات إلى الشباب وهم ينشدون:
ملكنا هذه الدنيا القرونا ... وأخضعها جدود خالدونا
فلما بلغوا قول الشاعر:
ترى هل يرجع الماضي فإني ... أتوق لذلك الماضي حنينا