ففي الصحيحين من حديث أنس بن مالكٍ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما من نفس تموت لها عند الله خير، يسرها أنها ترجع إلى الدنيا ولا أن لها الدنيا وما فيها، إلا الشهيد؛ فإنه يتمنى أن يرجع فيقتل في الدنيا، لما يرى من فضل الشهادة"، وتمني الشهيد بعد استشهاده أن يعود إلى الدنيا ليُقتل في سبيل الله، فيه أنَّهم يتمنَّون القتل لفضل القتل وحده لا لمجرد الوصول إلى النعيم عند الله، لأنهم موجودون في النعيم حقيقةً وقت تمنيهم، بل زاد على هذا أنَّهم في المكان الذي لا يُراد النزوح منه والانتقال منه طرفة عينٍ، لعظيم النعيم فيه، ومع ذلك يغلب عليهم فضل الشهادة حتى يتمنون الدنيا لأجله، وليس أحد من أهل الجنة يتمنى الرجوع غيرهم كما في الحديث.
وتمني النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في حياته مرارًا، كما يتمناه الشهداء عندما يرون الفضل بأعينهم، هو من تمام يقينه صلى الله عليه وسلم وتصديقه بخبر الله، ومن سعة علمه الذي علمه الله، كما في قوله صلى الله عليه وسلم:"لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا"أخرجاه في الصحيحين من حديث عددٍ من الصحابة.
نسأل الله أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، والجهاد في سبيله والصبر على ذلك والثبات في طريقه، وأن يختم لنا بالشهادة في سبيله مقبلين غير مدبرين، والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين.