الصفحة 892 من 1360

فقال الله عز وجل في محكم التنزيل: (فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) ، فأمر من يبيع دنياه بآخرته بالقتال، والمفروض الواجب أن يكون كلُّ مؤمنٍ كذلك، وبيع الدنيا بالآخرة أعظم ما يكون بالقتل في سبيل الله، وما جاء من النصوص في جنس هذا المعنى كلُّه دالٌّ على هذا المقصد.

وقال سبحانه: (إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ) الآية، فجعل القتل في سبيل الله غايةً للبيع، ونصَّ عليه في العقد، وذلك بعد أن ذكر المعنى السابق من بيع النفس لله عز وجل، وهو بيع الدنيا بالآخرة.

وقال أشرف الخلق صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: "من خير معاش الناس لهم: رجل ممسكٌ عنان فرسِه في سبيل الله يطير على متنه، كلما سمع هيعة أو فزعة طار عليه، يبتغي القتل والموت مظانَّه" الحديث، وهذا الحديث من أصرح النصوص الصحيحة في هذا المقصد واعتباره والأمر به شرعًا، بل هو دليل صريح على علوِّ مكانة من ينوي هذه النية ويطلب هذا المطلب.

وقريبٌ منه في الدلالة حديث عبد الله بن عمرو في مسند الإمام أحمد، أن رجلًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الجهاد أفضل؟ قال: "من عُقر جوادُهُ وأُهريقَ دمُه"، ومن طلب أن يُهراق دمُهُ لم يزد على أن طلب أفضل مراتب الجهاد، وطلب أفضل مراتب الجهاد الذي هو ذروة سنام الدين لا يمكن أن يكون محرّمًا لا يجوز، بل لا يكون إلاَّ قربةً من أعظم القربات إلى الله.

ومن الأدلَّة الظاهرة على ذلك، ما أخرج الشيخان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لوددت أن أغزو في سبيل الله فأُقتل، ثم أغزو فأُقتل، ثمَّ أغزو فأقتل" وذَكَر القتل في بعض الروايات ثلاثًا وفي بعضها أربعًا، فقد تمنَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم القتل في سبيل الله، وما كان ليتمنَّاه وهو مفسدةٌ وخسارةٌ ومناقضةٌ للمقصود من خلق الإنسان وعمارته الأرض.

وقد أخرج البخاري هذا الحديث في باب تمني الشهادة من صحيحه، وأخرج فيه أيضًا حديث أنس بن مالك في ذكر النبي صلى الله عليه وسلم قصة أهل مؤتة، وفيه قال: "ما يسرنا أنهم عندنا"، أو قال: "ما يسرهم أنهم عندنا"، ووجه الدلالة منه على اللفظ الأول ظاهر، فالنبي صلى الله عليه وسلم فرح بما أصابهم وهو الشهادة، وذكر أنَّ بقاءهم عنده لا يسره مع أن فيهم زيد بن حارثة حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيهم جعفر بن أبي طالب الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم: "والله ما أدري بأيهما أُسرّ بفتح خيبر أم بقدوم جعفر"، وعبد الله بن رواحة وهو من خيار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما سره استشهادهم إلاَّ لما للشهادة من فضلٍ يعدل هذه الأمور العظيمة، وهذا دليل على تمني الشهادة وطلبها، وهو على المعنى الثاني ظاهر أيضًا كما في الحديث الآتي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت