الصفحة 484 من 1360

وقال سبحانه وتعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) والاسم الموصول في قوله: الذين لا يؤمنون من صيغ العموم، وذكره لأهل الكتاب يدخل فيه من باب الأولى كل كافر، وجعل الغاية في هذه الآية إعطاء الجزيةِ وفي السابقة الانتهاء، فصحَّ رفع القتال عنهم بأيٍّ من الغايتين لأن الغاية مطلقة لا تعمُّ، وهذا هو الحكم في كل حكمٍ يُغيَّى بغايتين كعدة الحامل ونحو ذلك، على أنَّ الغاية في الآيتين السابقتين لهذه الآية داخلةٌ في هذه الآية لأنَّ انتهاءهم عن كفرهم يُوجب رفع حكم القتال بارتفاع الوصف الذي علِّق به القتال هنا فهو كما لو غُيَّي الحكم بذلك.

وقال عز وجل: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ) ، وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) فعمَّ بالأمر كل من يلينا من الكفَّار، وعلّق الحكم بكفرهم فيُقاتَلون ما دام الوصف قائمًا، ولا يفرغ المسلمون من قومٍ يلونهم من الكفَّار إلاَّ كان يليهم قومٌ آخرون من الكفَّار فيُقاتَلون.

وقال: (قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَاسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ) فلم يجعل بدلًا لقتال هؤلاء القوم أولي البأس الشديد إلاَّ أن يُسلموا، بخلاف المعتدي فبدلُ قتاله أن يكفَّ الله بأسه ويأمن المسلمون شرَّه.

وقال عز وجل: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) قال أبو هريرة في هذه الآية: خير الناس للناس تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام، أخرجه البخاري.

ومن السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما أخرج الشيخان من حديث ابن عمر وغيره من الصحابة: "أُمرتُ أن أُقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله فإذا قالوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم" الحديث وفيه الأمر بمقاتلة الناس عامة دون تخصيص وجعل غاية ذلك أن يدخلوا الإسلام، ومفهوم الشرط في قوله: فإذا قالوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم، أنَّ من لم يقلها لم يُعصم دَمُه ومالُه، وقوله كما في حديث بريدة عند مسلم: "امضوا في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله" الحديث وفيه قوله: "وإذا لقيت عدوَّك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصالٍ فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم"، وقوله كما في المسند وسنن أبي داود من حديث ابن عمر بسندٍ جيدٍ: "بُعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يُعبد الله وحده لا شريك له"، وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: "عجب الله من قومٍ يدخلون الجنَّة في السلاسل"، وغير ذلك من الأحاديث.

وهذه المسألة محل إجماعٍ متيقّنٍ من أهل العلم، حكاه بعضهم صريحًا، ودلَّ عليه التواتر العملي الذي ثبتت بمثله شعائر الدين المعلومة منه بالضرورة، من غزوات النبي صلى الله عليه وسلم وبعوثه وسراياه، وجهاد أصحابه من بعده فمن بعدهم من أهل الإسلام دون نكيرٍ بل ودون سؤالٍ أو وجودِ مخالفٍ في ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت