فقه الجهاد المقصد الثاني من مقاصد الجهاد: الدعوة إلى الله (1/ 3)
بقلم الشيخ: عبد الله بن ناصر الرشيد
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، أما بعد:
فإنَّ من مقاصد الجهاد في سبيل الله الدعوةُ إلى الله، وإدخال الناس في دين الله سبحانه، وبذل المؤمنين نفوسهم في سبيل أن يدخل الناس الإسلام.
وهذا الحكم المحكم الواضح، من وجوب ابتداء المشركين بالقتال ودعوتهم إلى الإسلام، مما أجمعت عليه الأمة دون مخالفٍ يُعرف في القديم، وصحَّت به النصوص العامة كالنصوص التي قدّمناها، أما النصوص الخاصة في القضايا الجزئية من غزوات النبي صلى الله عليه وسلم وسراياه وبعوثه إلى البلاد فأكثر من أن تحصر، وكذا ما بعده من جهاد الصحابة والتابعين وأمراء المسلمين في القرون المفضلة ثم من بعدهم في الأعصار المختلفة، دون أن يختلف فيه اثنان، وما فتحت المشارق والمغارب، ولا دخلت العراق ومصر والشام والمغرب وأكثر ما يسمى اليوم بقارة أفريقيا والأندلس وتركيا وبلاد المشرق الأدنى في الإسلام إلا بالقتال والجهاد في سبيل الله.
ولما انتشرت الهزيمة العقدية في الأعصار المتأخرة، نبتت نوابت أحدثت في الدين أقوالًا كثيرة، وأدخلت فيه ما استطاعت من دين النصارى وعقائدهم، ومن نظريات الغربيين الكفرة وأفكارهم، وكان مما أنكروه من الدين وتنصّلوا منه: جهاد الطلب الذي يتضمّن ابتداء الكفَّار بالقتال، وأن تُشهر سيوف التوحيد على أهل التنديد تدعوهم إلى الدخول في دين الله عز وجل، وتقودهم إلى الجنَّة بالسلاسل.
والأدلَّة من الكتاب والسنة على نقض ما زعموه أكثر من أن تحصر، فقد قال عز وجل: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) ، وقال: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ) والفتنة الشرك، فأمر الله عز وجل بقتال المشركين حتى يزول الشركُ وقوله"فتنة"نكرة في سياق نفي فهي عامَّة، وقوله ويكون الدين لله عامٌّ في الدين كله في التعبد والحكم، وقد أكّده في قوله: ويكون الدين كله لله، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: فإذا كان بعض الدين لله وبعضه لغير الله وجب القتال حتى يكون الدين كله لله، وقوله فإن انتهوا، بيّن الغاية التي يستمرُّ القتال إليها، وقوله: فلا عدوان إلا على الظالمين، دال بمنطوق الحصر على قتال الكفار لأنهم ظالمون، وبمفهومه على أنَّ رفع القتال لا يكون إلاَّ بارتفاع الظلم، ودلالة مفهوم الحصر من دلالة المنطوقِ لا المفهوم على الصحيح، وإنَّما يسمّى مفهومًا لأنَّه مفهوم الإثبات في جملة الحصر، وإن كان منطوقًا للنفي في الجملة نفسِها، فهو أقوى من المنطوقِ المجرَّد لاجتماع الدلالتين فيه ومن هذا الوجه كان الحصر من أساليب التوكيد.
وقال عز وجل: (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) فأمر بقتال المشركين حيث وجدوا، وأخذهم وحصرهم والقعود لهم بكل مرصد، فهو عام في جميع الأحوال والأوقات والأماكن، ثم قال: فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم، فأمر بترك القتال عندئذٍ.