بقلم: (مشعل العماري - الخبر)
يُروى أن أحد تجار أوروبا وقع في حبِّ إحدى البغايا، وهذه البغي كانت تعيش حياة صعبة من الفقر والجوع، والتشرذم؛ لا شك أنها كانت محظوظةً جدًا بهذا العاشق الذي أراد الزواج بها بعد أن نقلها من حياة البؤس والشقاء إلى قصره الواسع، حيث المشرب والمأكل، إضافةً إلى حياة ستكون أفضل من ذي قبل، ولكن الذي حدث أن هذه البغي لم تصبر على هذا النوع من الحياة الأكثر كرامة، فهربت من القصر وعادت إلى الشوارع المشبوهة، والأزقة الموبوءة، والحانات الصاخبة تمارس البغاء من جديد، فهذه هي حياتها التي ألِفتها ولا يمكن لها مفارقتها ...
إنَّ مَثَلَ هذه البغي لا يختلف كثيرًا عن مَثَلِ آل سلول؛ فهم لا يستطيعون ترك الكذب المقرون بالغباء، والمُؤطَّر بالخيانةِ، وَالعمالةِ والحماقة، مهما اكتشفوا مقدار الضرر العائد عليهم بسببه، فقد تغلغل هذا في قلوبهم، وألفته نفوسهم، ولم تعد تقوى على مفارقته أو تركه، لذا فإنَّ ما سنذكره هنا من أخطاء فادحة ارتكبها آل سلول في حربهم لأهل التوحيد والجهاد، لا يمكن لهم بحال من الأحوال أن يتداركوها وذلك لسبب بسيط جدًا هو الجمود؛ الجمود في تشخيص المشكلة، والجمود في عدم القدرة على التفاعل الإيجابي معها، فهم سادِرُونَ في غيِّهم لا يشعرون أصلًا أن هناك مشكلة، يعيشون في عالمٍ آخر بعيدٍ كل البعد عن ما يجري حولهم، وعن المستجدات التي حدثت في العالم والجزيرة من بعد السبعينيات الهجرية [1] وحتى العشرينيات من القرن الهجري الحالي، وهم أيضًا حمقى في طريقة تصرفِهم وتعاملهم مع الأخطاء، ففي حالة اكتشفوا خللًا ما في ما يفعلونه تجيءُ حينها ردة فعلهم أشدُّ حُمقًا بحيث تؤدي إلى مأزقٍ أكبرِ من ذي قبل، فنحن نعلم أنهم لا يملكون استراتيجية علمية وعملية تقوم على أسسٍ واضحة وثابتة، بل إنهم أصحاب ردود الأفعال المباغتة المشهورة، افعل كذا وامنع كذا، وأصدر مرسومًا ملكيًا يقتضي كذا وهذا مصداقُ قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ) .
هذا الوضع الذي يعيشه آل سلول من الجمود والتخلف هو الذي خدم المجاهدين خدمة العمر، فهم أمام عدو أحمق لا يعرف أبعاد وعواقبَ ما يفعل، ولا يفهم الظروف والمتغيرات، يخدم المجاهدين وهو يظن أنه يحاربُهم (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) ، عدو باردٌ ساذجٌ جدًا، لا يستحق أن يكون ندًا للمجاهدين، بل يكفيه كونه عميلًا، وذنبًا لعدوِّ المجاهدين الأصليِّ: القوة الصليبية وحلفائها، وهذا الوضع من الجمود وعدم وجود استراتيجية واضحة، وعقيدة صحيحة هُوَ الذي تكفل بأن يوَّلد تلك الأفعال الخرقاء كتلك التي جعلتهم قبل أيام ينبشون قبر الشهيد - بإذن الله - عامر الشهري أمام آلات التصوير بعد شهرين من دفنه ثم يعرضوا صورة جنازته والتي كأنها لم تدفن إلا الساعة، وقد أنساهم الله أن يضعوا ولو كماماتٍ على أنوف النابشين، ولكن الله أراد أن تكون كرامة للعالمين وآيةً واضحة لهم، إنَّ هذا ما هو إلا مثالٌ واحدٌ فقط للأفعال التي تخدم المجاهدين والتي تميزت بِسِماتٍ واضحة جامعة، ويمكن اعتبار هذه السمات أمرًا لازمًا لتصرفاتهم، لا تنفك عنها إطلاقًا، وربما تولدت من بعضها البعض، فلا أكاد أجد ردة فعلٍ أو قرارًا يتخذ في حرب المجاهدين؛ إلا وجدته مشتملًا على واحدة منها على أقل تقدير، مما يدل على أن ذِكْرنَا لأخطائهم لن يفيدهم ولن يساعدهم في تغيير شيء بإذن الله، فالمشكلة عميقةٌ ومتأزمةٌ جدًا.