الصفحة 6 من 12

وفيه أهله، فحرقاه وهدماه وتفرقوا عنه، ونزل فيهم من القرآن ما نزل [18] .

وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في فوائد تحريق مسجد الضرار وهدمه: (تحريق أمكنة المعصية التي يعصى الله ورسوله فيها وهدمها، كما حرق رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجد الضرار وأمر بهدمه، وهو مسجد يصلى فيه ويذكر اسم الله فيه، لما كان بناؤه ضرارا وتفريقا بين المؤمنين ومأوى للمنافقين، وكل مكان هذا شأنه فواجب على الإمام تعطيله إما بهدم وتحريق وإما بتغيير صورته وإخراجه عما وضع له، وإذا كان هذا شأن مسجد الضرار فمشاهد الشرك التي تدعو سدنتها إلى اتخاذ من فيها أندادا من دون الله أحق بالهدم وأوجب، وكذلك محال المعاصي والفسوق كالحانات وبيوت الخمارين وأرباب المنكرات، وقد حرق عمر بن الخطاب رضي الله عنه قرية بكمالها يباع فيها الخمر، وحرق حانوت رويشد الثقفي وسماه فويسقا، وحرق قصر سعد عليه لما احتجب فيه عن الرعية، وهمَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحريق بيوت تاركي حضور الجماعة والجمعة، وإنما منعه من فيها من النساء والذرية الذين لا يجب عليهم كما أخبر هو عن ذلك) [19] اهـ.

وقد قال ابن تيمية رحمه الله: (يجوز للإمام أن يخرب المكان الذي يباع فيه الخمر كالحانوت والدار، كما فعل ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث أخرب حانوت رويشد الثقفي قال: إنما أنت فويسق لست برويشد، وكما أحرق علي بن أبي طالب رضي الله عنه قرية كان يباع فيها الخمر، وقد نص على ذلك أحمد وغيره من العلماء) [20] .

هذا وليس على من أتلف أو أحرق أمكنة المعصية أو آلاتها؛ ضمان، فلا يضمن من كسر أو أتلف آلة لهو ولو مع صبي، أو كسر إناء خمر يؤمر بإراقتها، أو ذهب وفضة يشرب فيه، أو شطرنج وما أشبهها، أو أتلف آلة سحر أو تعزيم أو تنجيم، أو أتلف أوثانا أو خنزيرا، أو أتلف كتبا مبتدعة مضلة، أو أتلف كتب أكاذيب أو سخائف لأهل الخلاعة والبطالة، أو أتلف كتب كفر [21] .

وقد فصل شيخ الإسلام رحمه الله في هذه المسألة وفي مسألة العقوبات المالية، فقال: (وكما أن العقوبات البدنية تارة تكون جزاء على ما مضى كقطع السارق، وتارة تكون دفعًا عن المستقبل كقتل القاتل فكذلك المالية، فإن منها ما هو من باب إزالة المنكر، وهي تنقسم كالبدنية إلى إتلاف، وإلى تغيير، وإلى تمليك الغير، فالأول المنكرات من الأعيان والصفات يجوز إتلاف محلها تبعًا لها، مثل الأصنام المعبودة من دون الله، لما كانت صورها منكرة جاز إتلاف مادتها، فإذا كانت حجرًا أو خشبًا ونحو ذلك جاز تكسيرها وتحريقها، وكذلك آلات الملاهي مثل الطنبور يجوز إتلافها عند أكثر الفقهاء وهو مذهب مالك وأشهر الروايتين عن أحمد، ومثل ذلك أوعية الخمر يجوز تكسيرها وتخريقها، والحانوت الذي يباع فيه الخمر يجوز تحريقه، وقد نص أحمد على ذلك هو وغيره من المالكية وغيرهم، واتبعوا ما ثبت عن عمر بن الخطاب أنه أمر بتحريق حانوت كان يباع فيه الخمر لرويشد الثقفي، وقال: إنما أنت فويسق لا رويشد، وكذلك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أمر بتحريق قرية كان يباع فيها الخمر رواه أبو عبيدة وغيره، وذلك لأن مكان البيع مثل الأوعية، وهذا أيضًا على المشهور في مذهب أحمد ومالك وغيرهما، ومما يشبه ذلك ما فعله عمر بن الخطاب، حيث رأى رجلًا قد شاب اللبن بالماء للبيع فأراقه عليه، وهذا ثابت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وبذلك أفتى طائفة من الفقهاء القائلين بهذا الأصل، وذلك لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه؛ نهى أن يشاب اللبن بالماء للبيع، وذلك بخلاف شوبه للشرب، لأنه إذا خلط لم يعرف المشتري مقدار اللبن من الماء، فأتلفه عمر، ونظيره ما أفتى به طائفة من الفقهاء القائلين بهذا الأصل في جواز إتلاف المغشوشات في الصناعات: مثل الثياب التي نسجت نسجًا رديئًا إنه يجوز تمزيقها وتحريقها، ولذلك لما رأى عمر بن الخطاب على ابن الزبير ثوبًا من حرير مزقه عليه فقال الزبير: أفزعت الصبي فقال: لا تكسوهم الحرير.، كذلك تحريق عبد الله بن عمر لثوبه المعصفر بأمر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت