وقد أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على من تخلف عن الجمعة والجماعة وهمَّ أن يحرق عليهم بيوتهم، وأمر بحرق الثوب المعصفر إذا لبسه الرجال، وهذا ولا شك أهون ضررا وأقل من صنع الخمر وبيعها ومن جمع الناس عليها في أماكن الفسق والفجور من دكاكين وشواطئ وغيرها.
فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لقد هممت أن آمر فتياني أن يستعدوا لي بحزم من حطب ثم آمر رجلا يصلي بالناس ثم تحرق بيوت على من فيها) [14] .
وعن عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لقوم يتخلفون عن الجمعة: (لقد هممت أن آمر رجلا يصلي بالناس ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم) [15] .
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: رأى النبي صلى الله عليه وسلم عليَّ ثوبين معصفرين فقال: (أأمك أمرتك بهذا؟) ، قلت: أغلسهما، قال: (بل أحرقهما) [16] .
وللحديث رواية أخرى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه قال: هبطنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من ثنية ... فذكر الحديث في صلاته ثم قال: ثم التفت إلي وعلي ريطة مضرجة بعصفر، فقال صلى الله عليه وسلم: (ما هذه الريطة عليك؟) ، فعرفت ما كره، فأتيت أهلي وهم يسجرون تنورا لهم فقذفتها فيه، ثم أتيته الغد فقال: (يا عبد الله ما فعلت الريطة؟) ، فأخبرته فقال: (أفلا كسوتها بعض أهلك فإنه لا بأس بذلك للنساء) [17] .
قال بعض العلماء: لعل النبي صلى الله عليه وسلم قد أمره بحرقها أولا ثم أخبر بجوازها للنساء فأخبره بذلك، وجعلها بعض العلماء حادثتان منفصلتان.
وكل مكان أعد للمعصية من شقق أو دكاكين أو شواطئ أو غير ذلك ولم ينته أصحابها بالنصح والزجر عن فعل المعصية وتسهيلها، فإنه يجوز حرقه وهدمه، فإن حرق المسجد الذي يُصلى فيه إن كان قد أعد لحرب المسلمين جائز، فهكذا كل أماكن المعصية.
قال تعالى: {والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون} ، فقال الله تعالى لنبيه في شأنه: {لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه} ، إلى قوله تعالى: {والله لا يهدي القوم الظالمين} .
وقد جاء الذين بنوا مسجد الضرار إلى رسول الله وهو يتجهز إلى تبوك، فقالوا: يا رسول الله إنا قد بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية، وإنا نحب أن تأتينا فتصلى لنا فيه، فقال صلى الله عليه وسلم: (إني على جناح سفر وحال شغل، ولو قد قدمنا أتيناكم إن شاء الله فصلينا لكم فيه) ، فلما أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك وكان بينه وبين المدينة ساعة من نهار، نزل ببلدة يقال لها"ذي أوان"، أتاه الوحي بخبر هذا المسجد، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك بن الدخشم ومعن بن عدي أو أخاه عاصم بن عدي فقال: (انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه وحرقاه) ، فخرجا سريعين حتى أتيا بني سالم بن عوف وهم رهط مالك بن الدخشم، فقال مالك لمعن: أنظرني حتى أخرج إليك بنار من أهلي، فدخل أهله فأخذ سعفا من النخل فأشعل فيه نارا ثم خرجا يشتدان حتى دخلا المسجد