أما أخذ مال بائع الخمر:
فيجوز أخذ ما كسبه من هذا البيع المحرم فقط وجعله في بيت المال، لأنه - وكما سبق بيانه في الأحاديث - كسب حرام لا يجوز له أكله ولا إطعام أولاده ولا أضيافه منه، لأنه مال خبيث محرم، أما بقية ماله فهو معصوم لا يجوز أخذه، وأما وجه جعله في ببيت المال أن كل ما اكتسب من وجه حرام، فإما أنه يمكن رده إلى صاحبه إن كان مسروقا أو مغصوبا مثلا فهذا واجب لأن صاحبه أو ورثته أحق به، وأما إن كان اكتسب مقابل أداء شيء محرم كالخمر تباع والبغي تزني فلا يجوز رده على صاحبه، لأنه دفعه في مقابل عوض وقد حصل العوض وإن كان محرما، فلا يجمع له بين الاستمتاع بالمحرم وإرجاع المال إليه، والله تعالى أعلم.
وقد حرم الله تعالى كثيرا من أنواع الكسب الخبيثة وأمر بأكل الحلال الطيب، فقال تعالى: {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا} ، وقد أمر الله تعالى المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم} .
وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كسب الحجام ومهر البغي وحلوان الكاهن [23] .
وقال صلى الله عليه وسلم: (مهر البغي خبيث وكسب الحجام خبيث وثمن الكلب خبيث) [24] .
وعن رافع بن خديج رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول (شر الكسب مهر البغي وثمن الكلب وكسب الحجام) [25] .
وعنه أيضا مرفوعا: (ثمن الكلب خبيث ومهر البغي خبيث وكسب الحجام خبيث) [26] .
وعن أبي مسعود رضي الله عنه قال: (نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب وحلوان الكاهن ومهر البغي) [27] .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا (لا يحل ثمن الكلب ولا حلوان الكاهن ولا مهر البغي) [28] .
وقد بوب ابن أبي شيبة في مصنفه: (باب في الرجل يصيب المال الحرام ثم يندم) .
وروى عن الزهري وقد سُئل عن رجل يصيب المال الحرام؟ قال: (إن سره أن يتبرأ منه فليخرج منه) .
وعن مالك بن دينار قال: قال رجل لعطاء بن أبي رباح: رجل أصاب مالا من حرام؟ قال: (ليرده على أهله، فإن لم يعرف أهله فليتصدق به، ولا أدري ينجيه ذلك من إثمه) .
وعن مالك بن دينار أيضا: أن رجلا سأل عطاء فقال: إني كنت غلاما فأصبت أموالا من وجوه لا أحبها فأنا أريد التوبة؟ قال: (ردها إلى أهلها) ، قال: لا أعرفهم، قال: (تصدق بها، فمالك من ذلك أجر، وما أدري هل تسلم من وزرها أم لا) ، قال: وسألت مجاهدا فقال مثل ذلك.
وقد سئل ابن تيمية رحمه الله عن امرأة كانت مغنية واكتسبت في جهلها مالا كثيرا، وقد تابت وحجت إلى بيت الله تعالى، وهي محافظة على طاعة الله، فهل المال الذي اكتسبته من حل وغيره إذا أكلت وتصدقت