الصفحة 10 من 12

منه تؤجر عليه؟

فأجاب: (المال المكسوب إن كانت عين أو منفعة مباحة في نفسها وإنما حرمت بالقصد، مثل من يبيع عنبا لمن يتخذه خمرا، أو من يستأجر لعصر الخمر أو حملها، فهذا يفعله بالعوض، لكن لا يطيب له أكله، وأما إن كانت العين أو المنفعة محرمة كمهر البغي وثمن الخمر فهنا لا يقضي له به قبل القبض، ولو أعطاه إياه لم يحكم برده، فإن هذا معونة لهم على المعاصي، إذا جمع لهم بين العوض والمعوض، ولا يحل هذا المال للبغي والخمار ونحوهما لكن يصرف في مصالح المسلمين، فان تابت هذه البغي وهذا الخمار وكانوا فقراء، جاز أن يصرف إليهم من هذا المال مقدار حاجتهم، فإن كان يقدر يتجر أو يعمل صنعة كالنسج والغزل أعطى ما يكون له رأس مال، وإن اقترضوا منه شيئا ليكتسبوا به ولم يردوا عوض القرض كان أحسن) [29] اهـ.

وقال منصور البهوتي رحمه الله: (ومن باع خمرا للمسلمين لم يملك ثمنه، لحديث؛"إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه"، ويصرف ما أخذ منه في مصالح المسلمين، كما قيل في مهر البغي وحلوان الكاهن وأمثال ذلك مما هو عوض عن عين، أو إذا كان المعاض قد استوفى المعوض، قاله الشيخ لئلا يجمع له بين العوض والمعوض) [30] اهـ.

وقد سُئل ابن الصلاح رحمه الله عن رجل اكتسب مالا من حرام وعنده من المال جملة كبيرة ولم يكن له ولا لعياله شيء، فكيف يعمل بهذا المال حتى يخلص من الحرام؟ وكذلك عنده قماش وهو حرام فكيف يعمل به؟ فأجاب: (إذا لم يعرف صاحب المال الحرام ولا يرجو فليتصدق به عن أصحابه، وإذا لم يكن لعياله شيء جاز أن يتصدق عليهم لكفايتهم من ذلك المال الحرام) [31] اهـ.

وقال ابن القيم رحمه الله في بيان حكم ما تكتسبه البغي بعد توبتها: (فإن قيل؛ فما تقولون في كسب الزانية إذا قبضته ثم تابت هل يجب عليها رد ما قبضته أربابه أم يطيب لها أم تصدق به؟ قيل: هذا ينبني على قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام، وهي أن من قبض ما ليس له قبضه ثم أراد التخلص منه، فإن كان المقبوض أخذ بغير رضى صاحبه ولا استوفى عوضه رده عليه، فإن تعذر رده عليه قضى به دينا عليه، فإن تعذر ذلك رده إلى ورثته، فإن تعذر ذلك تصدق به عنه، فإن اختار صاحب ثوابه يوم القيامة كان له، وإن أبى إلا أن يأخذ من حسنات القابض استوفى منه ماله، وكان ثواب الصدقة للمتصدق بها كما ثبت عن الصحابة، وإن كان المقبوض برضى الدافع وقد استوفى عوضه المحرم، كمن عاوض على خمر أو خنزير أو على زنى أو فاحشة، فهذا لا يجب رد العوض على الدافع، لأنه أخرجه باختياره واستوفى المحرم، فلا يجوز أن يجمع له بين العوض والمعوض، فإن في ذلك إعانة له على الإثم وتيسير أصحاب المعاصي عليه، وماذا يريد الزاني وفاعل الفاحشة إذا علم أنه غرضه يحصل ويسترد ماله، فهذا مما تصان الشريعة عن الإتيان به، ولا يسوغ القول به، وهو الجمع بين الظلم والفاحشة، ومن أقبح القبيح أن يستوفى عوضه من المزني ثم يرجع فيما أعطاها قهرا، وقبح هذا مستقر في فطر جميع العقلاء فلا تأتي به، ولكن لا يطيب للقابض أكله، بل هو خبيث كما حكم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن خبثه بسبب مكسبه لا لظلم من أخذ منه، فطريق التخلص منه وتمام التوبة بالصدقة به، فإن كان إليه فله أن يأخذ قدر حاجته ويتصدق بالباقي، فهذا حكم كل كسب خبيث لخبث عوضه كان أو منفعة، ولا يلزم من الحكم بخبثه وجوب رده على الدافع فإن النبي حكم بخبث كسب الحجام ولا يجب رده على دافعه ... ) [32] اهـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت