الصفحة 73 من 89

وباستحضار حقيقة الدولة الإسلامية من جهة، وطبيعة الموقف التقليدي لأولياء الشيطان من هذه الدولة من جهة أخرى، يصبح الجهاد مطلبا لا محيد عنه للجماعة المسلمة حين تتحرك بجد لإقامتها، فإن هذه الدولة - التي لا يقام الدين كما أُنزل إلاّ بإقامتها - هي واقع التمكين الذي وعد الله به أولياءه المؤمنين، قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ} [النور: 55] ، ومادام هذا الواقع - أي واقع التمكين - هو واقع القهر للكفر والعلوِ عليه، فمن الضروري في منطق ارتباط النتائج بمقدماتها المناسبة أن لا يكون هذا العلو إلاّ بعد الغلبة على الكفر بقوة الجهاد، قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّه} [لأنفال: 39] ، ولذلك كان الوعد بالتمكين دليلا عليه، وملزما للأخذ به، إذ من المعلوم أن الوعد الإلهي يحمل في طياته أمرا شرعيا يطلب تحقيق الأسباب الكفيلة بإدراكه. وإذا أضفنا إلى ذلك حقيقة التناقض الكامل بين دولة الإسلام ودولة الكفر، لأن الأولى تمثل واقع التمكين لشريعة الله، والثانية تمثل واقع التمكين لشريعة الطاغوت، يصبح القتال مسَلمة من مسلمات الصراع بين المعسكرين، فإن دولة الإسلام هي الحق الذي لا يمكن انتزاعه إلاّ في أجواء الصراع المسلح مهما كانت ديموقراطية الأعداء، بل إن دين الديمقراطية يفرض على أتباعه أن تكون هذه الدولة هي الخط الأحمر الذي يوجب الشكل القتالي للصراع ولو انهزمت الديمقراطية عبر صناديق الاقتراع!

ولكي تكتمل صورة الدوافع الحقيقية لقتال أولياء الشيطان لابد من استحضار حقيقة الوظيفية الدعوية للجماعة المسلمة، فإن هذه الأمة ما أخرجت للناس إلاّ لأداء هذه المهمة، قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110] ، وهذه الدعوة حين تكون إلى ما أراد الله من غير تلبيس ولا تدليس، قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوت} [النحل: 36] ، حين تكون كذلك، فإنها سوف تصطدم - ولاشك - بكل سلطة تستعبد الناس من دون الله، فهي سنة جارية أن يكون في كل قوم طواغيت تتأذى مطامعهم الشخصية بهذه الدعوة، لأنها تجردهم من صلاحيات الألوهية التي أعطوها لأنفسهم، قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا} [الأنعام: 123] ، فيعترضون طريقها، ويحولون بينها وبين الناس، وعندها لابد للجماعة المسلمة من التدخل للدفاع عن حرية الدعوة، وأن تقاتل أولياء الشيطان الذين يقفون في وجهها للتأكد من ضمان وصولها - كاملة من غير تحريف - إلى الناس أجمعين، فإن من حق الناس جميعًا أن تصلهم هذه الدعوة، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} [سبأ: 28] .

ثم إن من حق الناس بعد وصول الدعوة إليهم أن يملكوا الحرية الحقيقية للاختيار، فيعتنقون الإسلام - إن شاءوا - في جو خال من التهديد والإرهاب الذي تمارسه كل سلطة كافرة على من أراد أن يسلم لله من دونها، والحقيقة أن هذا النوع من الحرية لا يتحقق إلاّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت