الصفحة 72 من 89

شكله القتالي فإنه لا يفُل الحديد إلاّ الحديد، قال تعالى: {فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ} [البقرة: 191] ، ويكون من الصعب على المسلم الحر أن يركن إلى الاستسلام إذا بدأه عدوه بالحرب، قال تعالى: {أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَأُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [التوبة: 13] ، بل إن استحضار الغاية الحقيقية لهذا الاعتداء، والطبيعة الراسخة التي تشكل محركاته الأساسية يجعل من الصعب التسليم بجدية أي وسيلة لا تتخذ من القتال الأداة الأساسية للدفع، قال تعالى: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلاّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء: 84] .

قال ابن كثير: (أي بتحريضك إياهم على القتال تنبعث هممهم على مناجزة الأعداء ومدافعتهم عن حوزة الإسلام وأهله) [التفسير] .

أما سياسة البيانات الاستنكارية والوقفات الاحتجاجية، فلن تكون كافية لتشكيل الدرع الذي يقي من رصاص الاعتداء، فضلا عن أن تكون أداة للضغط على الأعداء تدفعهم إلى إيقاف القتل ورد الحقوق، فإن ما أخذ بالقوة لا يرد بالضعف.

ثم إن صدق الانتماء إلى الإسلام يفرض على أهله التفاني في الانتصار له عندما يقع عليه الاعتداء، فإن هذا الدين هو الهوية الحقيقية للمسلم الصادق، ويستحيل على من باشرت قلبه بشاشة الإيمان أن يستسيغ الاعتداء عليه، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ} [الصف: 14] ، وجدية هذه النصرة تضع الخيارات العسكرية واحدة من بين أهم الحلول الناجعة في الدب عن المقدسات، قال تعالى: {وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ} [التوبة: 12] ، قال ابن كثير: (أي عابوه وانتقصوه) [التفسير] ، فإن هذا النوع من التطاول لا يمكن أن يصدر إلاّ من أصحاب المواقع المتقدمة في الكفر، وعندها لن يكون كالجهاد حلا أنسب للحد من هذا التجرؤ، قال تعالى: {فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ} [التوبة: 12] .

بل إن هذا الرد الذي يحمل في طياته مقومات العزة بهذا الدين، وصدق الارتباط به، سوف يقود الكثير من الناس إلى الإقبال عليه، والحرص على الدخول فيه، ويشجعهم على التمسك به، لأنهم ينظرون بأعينهم إلى دلائل الصدق المتجلية في علوه على غيره، كما يحسون أنهم آمنون عند الدخول فيه من فتنة أعدائه، وعندها يقبلون عليه أفواجا، قال تعالى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} [النصر: 2] ، فظهور هذا الدين بمظهر القوة والقدرة على حماية نفسه هو الذي يشكل الدافع الأساسي إلى اهتداء هذه الأفواج من الناس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت