بأن تتحرك الجماعة المسلمة لإزالة تلك السلطة الكافرة الجاثمة على صدور الناس، أو على الأقل أن تفرض عليها من القيود والالتزامات ما يشعر الناس بالأمن من بطشها إن هم اختاروا الإسلام لله وكفروا بما يعبد من دونه، قال تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29] ، فتنكسر شوكة هذه السلطة، ويصغر شأنها، ويحس الناس - كل الناس - أنهم في مأمن من إرهابها، وفي حمى آمن من فتنتها.
وإذا كنا نؤمن أن الأرض لله سبحانه، وأن الناس خلقه وعبيده، وأنه يريد - شرعا - أن يعلوَ حكمه الشرعي في ملكه، كما علا حكمُه القدري، فإن من حقه جل وعلا على أوليائه أن يقاتلوا أولياء الشيطان لتكون كلمة الله هي العليا، فيكون الدين كله لله، ويظهر الإسلام على الكفر، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة: 33] .
قال ابن القيم: (فإن من كون الدين كله لله إذلال الكفر وأهله وصغاره وضرب الجزية على رؤوس أهله والرق في رقابهم، فهذا من دين الله، ولا يناقض هذا إلا ترك الكفار على عزهم وإقامة دينهم كما يحبون بحيث تكون لهم الشومة والكلمة) [أحكام أهل الذمة: 1/ 18] .
صحيح أن الإسلام لم يكره الناس على الدخول فيه بقوة السيف، قال تعالى: {أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [يونس: 99] ، فلا إكراه لأي أحد على الدخول في الدين، لكنّ هذا لا يعني أن تقعد الجماعة المسلمة عن التحرك لإزالة سلطان أئمة الكفر الذين يسيطرون على واقع الناس ويحولون بينهم وبين حرية الاختيار، كما لا يعني القعود عن قتال هؤلاء الكفار ليكون الحكم للإسلام فيعلو دين الله ولا يُعلى عليه، قال تعالى: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة: 33] .
إن الجهاد ليس هو السلوك المطلوب اتجاه أولياء الشيطان فحسب، وإنما هو الموقف الذي يعبر عن الشكل الأصلي الذي ينبغي أن تأخذه العلاقة بين الجماعة المسلمة وأولياء الشيطان، وأي موقف يدعو إلى خلافه لابد أن يكون حالة استثنائية تدعو إليها مصالح معتبرة شرعا وقدرا، ومعلوم أن الاستثناء ضيق لا توسع فيه، قال تعالى: {فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ} [محمد: 35] .
قال ابن كثير: (أي المهادنة والمسالمة ووضع القتال بينكم وبين الكفار في حال قوتكم وكثرة عددكم وعدتكم) [التفسير] .