الْفَاسِقِينَ، فكانت هذه الفترة فرصة لذهاب تلك الفئة المتقاعسة الملتوية ليحل محلها جيل قوي خشن، متمرن على القتال ومتعود على شظف العيش، فتح الله على أيديهم بيت المقدس بعد أربعين سنة.
لقد شاء الله عز وجل لهذه الأمة أن تكون خاتمة الأمم وشاهدة عليها {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} ، فعملية استبدالها غير واردة البتة، بخلاف عملية التيه.
فبعد أن امتنعت نسبة كبيرة من الأمة عن أداء واجباتها، وتركت الجهاد في سبيل الله، سلط الله عليها ذلًا لا يمكن أن يُرفع عنها إلا بامتلاك أسباب القوة والمنعة وخوض غمار الجهاد مع الأعداء، فبالإضافة إلى هذا، أصبحت هذه الفئات تائهة في هذه الحياة، لا تجد فرجًا ولا مخرجًا.
فعلى مستوى الأفراد؛ نجد الكثير منهم - بسبب بعدهم عن دينهم القويم - غارقين في متاهات الحياة اليومية، لا يساهمون بشيء من شأنه أن يرفع هذا الضيم عن الأمة، بل لقد تحولوا إلى وسائل للتثبيط وذلك باستهلاكهم لبضائع الفساد، وبعدهم عن مواطن التأثير، وعدم استجابتهم لأصحاب الحق. جيل مخدوع تائه لا يهتم إلا بشهواته.
أما على مستوى الجماعات؛ فنجد أن أكثرها قد حاد عن النهج القويم، وسار يبتغي طرقًا ملتوية لبلوغ الغاية، فكان أن حكم الله عليها بالتيه والضياع، حتى وإن كانت تظن أنها على حق، فتحقق فيها قول الله تبارك وتعالى {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} .
فالحركة الإسلامية - في عمومها - قد عرفت تيهًا منذ عقود من الزمن، ولا زالت أغلب شرائحها غارقة في هذا التيه، بالرغم من كثرة أفرادها، وبالرغم من انتشار مناهجها البدعية على نطاق واسع، بل وبالرغم من وصول بعضها إلى مجالس التشريع أو حتى إلى المجالس الحكومية، فكل هذا يعتبر علامة على هذا الانحراف وعلى هذا التيه العظيم، حيث أن السبيل لتحقيق حق الله علينا هو سبيل السلف الصالح، والوسيلة هي الجهاد في سبيل الله، وكل من ابتغى سبيلًا غيره فسوف يحل عليه غضب الله وعذابه ثم يتيه في الأرض كما تاهت بنو إسرائيل في عهد موسى ويستبدلهم الله تعالى بقوم آخرين؛ {إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير} ، فترك الجهاد والحرص على الحياة من الموجبات الأساسية لعملية الاستبدال، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى؛ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ