وقوله (ثَكِلَتْك أمُّك، أي: فَقَدَتْك، والثُّكْل: فقْد الوَلَد، وامرأة ثَاكِل وثَكْلَى، ورجُل ثَاكِل وَثثْكَلان؛ كأنه دَعَا عليه بالموتِ لسوء فِعْله أو قوله، والموت يَعُمُّ كلَّ أحد؛ فإذَنْ الدعاء عليه كَلاَ دُعَاء، أو أرادَ إذا كُنْت هكذا فالموت خيرٌ لك لئلا تَزْدَادَ سُوءًا، ويجوز أن يكون من الألفاظ التي تَجْري على ألسِنة العرب ولا يُرادُ بها الدُّعاء، كقولهم: تَرِبَتْ يدَاك وقاتَلك اللّه) [1] .
وقال الحافظ في الفتح (2/ 345) : ("ثَكِلَتْك أُمُّك"؛ فَكَأَنَّهُ دَعَا عَلَيْهِ أَنْ يَفْقِد أُمَّهُ أَوْ أَنْ تَفْقِدَهُ أُمُّهُ، لَكِنَّهُمْ قَدْ يُطْلِقُونَ ذَلِكَ وَلَا يُرِيدُونَ حَقِيقَتَهُ) .
قال ابن بطال رحمه الله في شرح الصحيح (17/ 415) : (ولا يراد بها الدعاء بإيقاع الهلكة لمن خوطب بها، وإنما يراد به المدح والتعجّب، كما تقول العرب: ويل أمه مسعّر حرب، على عادتها في نقلها الألفاظ الموضوعة في بابها إلى غيره، كما يقال: انجُ، ثكلتك أمك، وتربت يداك) .
-وفيه أن الكبير قد يخطأ في التأويل فيُردّ إلى الشرع، وأن عظيم القوم ومن له في نفوس أصحابه قدرًا يجوز منه وله أن يبدر منه في حق أصحابه ما ظاهره التعدّي، ولكن هو في حقيقة أمره على ما جربنا في غاية التقرّب، فيشعر به التابع بسقوط الكلفة، كما بين الوالد وولده، وله في نفس المحبّ نشوة أشدّ منها في المدح.
قال السيوطي في تنوير الحوالك (1/ 72) :(وقد قال البديع في رسالته:
وقد يوحش اللفظ وكله ودّ ... ويكره الشيء وليس من فعله بدّ)
ثم قال: (ولك لبابٌ في هذا الباب أن تنظر إلى القول وقائله؛ فإن كان وليًا فهو الولاء وإن خشُن، وإن كان عدوًا فهو البلاء وإن حسُن) .
-وفيه حسن بلاء سعد رضي الله عنه يوم الفرقان، وإقرار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - له بذلك.
ـــــــــ
(1) - النهاية في غريب الأثر (1/ 628) .