{وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} [الأنفال:31] ).
أخرج ابن جرير (13/ 504) عن سعيد بن جبير بسند صحيح مرسلًا قال:(قتل النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر صبرًا عقبة بن أبي معيط وطعيمة بن عدي والنضر بن الحارث، وكان المقداد أسر النضر، فلما أمر بقتله قال المقداد: يا رسول الله أسيري، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"وإنه كان يقول في كتاب الله ما يقول"، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقتله، فقال المقداد: أسيري، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"اللهم اغنِ المقداد من فضلك"فقال المقداد: هذا الذي أردت، وفيه نزلت هذه الآية:
{وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا ... } الآية) .
وهؤلاء الذين قتلهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صبرًا على الرغم من أنهم لم يكونوا رؤوس المشركين، لكنهم كانوا من عتاة المجرمين المحادّين لله ورسوله، فكانوا باصطلاح اليوم بحقّ:"مجرمي حرب وعقيدة".
(وجاءت قتيلة -ابنة النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة العبدري- إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنشدته:
أمحمد يا خير ضنء كريمة ... من قومها والفحل فحل معرق
ما كان ضرّك لو مننت وربما ... منّ الفتى وهو المغيط المحنق
والنّضر أقرب من قتلت قرابة ... وأحقهم إن كان عتق يُعتق
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"أما إني لو سمعت هذا قبل قتله لم أقتله"، وهذا ليس معناه الندم، لأنه عليه السلام لا يقول ولا يفعل إلا حقًا، لكن معناه لو شفعتْ عندي بهذا القول لقبلتُ شفاعتها، وفيه تنبيه على حقّ الشفاعة والضّراعة، ولا سيما الاستعطاف بالشعر، فإن مكارم الأخلاق تقتضي إجازة الشاعر وتبليغه قصده، والله أعلم) [1] .
ـــــــــ
(1) - الدرر في اختصار المغازي والسير لابن عبد البر (ص 26) .