وذهب الحنفية إلى اعتبار العدة كما هو رأي الإمام مالك، ولكن هذا عندهم فيما دون الأثنى عشر ألفًا، فإن هذا العدد يجب عنده الثبات مهما بلغت قوة عدّة العدو، فقال الشيباني في السير الكبير (ص 124) عن الفرار: (وهذا إذا كان بهم قوة القتال بأن كانت معهم الأسلحة، فأما من لا سلاح له فلا بأس بأن يفرّ ممن معه السلاح، وكذلك لا بأس بأن يفرّ ممن يرمي إذا لم يكن معه آلة الرمي، ألا ترى أن له أن يفرّ من باب الحصن ومن الموضع الذي يرمى فيه بالمنجنيق لعجزه عن المقام في ذلك الموضع؟ وعلى هذا لا بأس بأن يفرّ الواحد من الثلاثة، إلا أن يكون المسلمون اثني عشر ألفًا كلمتهم واحدة فحينئذ لا يجوز لهم أن يفرّوا من العدو وإن كثروا، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"لن يغلب اثنا عشر ألفًا عن قلة"، ومن كان غالبًا فليس له أن يفرّ) .
ولكن حرّض الشارع ورغّب في الصبر عند لقاء العدو مهما كانت عدّته وعدده، وذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن هذا مما يعجب منه الرب ويحبه.
روى أبو داود (2536) ، وأحمد (1/ 416) ، والحافظ أبو يعلى (5272، 5361) ، وابن حبان (2557، 2558) ، وابن أبي شيبة (19402) ؛ كلهم من طريق حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن مرة الهمداني عن ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم:
"عَجِبَ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ مِنْ رَجُلٍ غَزَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَانْهَزَمَ؛ يَعْنِي أَصْحَابَهُ فَعَلِمَ مَا عَلَيْهِ، فَرَجَعَ حَتَّى أُهَرِيقَ دَمُهُ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِمَلَائِكَتِهِ: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي رَجَعَ رَغْبَةً فِيمَا عِنْدِي وَشَفَقَةً مِمَّا عِنْدِي حَتَّى أُهَرِيقَ دَمُهُ" [1] .
(1) - قال شعيب الأرنؤوط: إسناده قوي.