الصفحة 95 من 152

وقبل أن يُقْبَضَ رسول الله صلى الله عليه وسلم نصر الله دينه، وأقرّ عينه بدخول كل الجزيرة العربية في الإسلام، وفي الشهور الأخيرة من حياته صلى الله عليه وسلم حج حجة الوداع، وأنزل الله عليه وهو واقف بعرفة هذه البشرى، التي فيها الإخبار عن يأس الكافرين من القضاء على هذا الدين.

استمرار حربهم الفاشلة ضده:

ومنذ نزول هذه الآية وحتى اليوم، أمضت الأمة المسلمة أربعة عشر قرنًا من عمرها الممتد حتى قيام الساعة، ولم تتوقف محاولات الأعداء على اختلاف أصنافهم للقضاء على الإسلام، فماذا كانت النتيجة؟ عرف كل فريق من الكافرين يأسه من القضاء على هذا الدين، بعد أن ظنوا أن القضاء عليه قريب سهل ميسور، وشنوا عليه حربًا شاملة طاحنة، عرفوا في نهايتها عجزهم وفشلهم، وخرج الإسلام من المعركة قويًا عزيزًا منصورًا.

وأجزم أنه لم يحارَب أي دين كما حورب الإسلام، ولو أن الحرب التي شُنت عليه شنت على أي مذهب آخر، لأبادته ودفنته، ولكن الإسلام القوي الحي كان يخرج من كل معركة قويًا غالبًا منصورًا بإذن الله.

ويشهد الإسلام اليوم حربًا صليبية عالمية، يقودها اليهود والأمريكان، بهدف اجتثاثه والقضاء عليه! ولن يكونوا أحسن حالًا ومآلًا من الكافرين السابقين، بل سينتهون إلى ما انتهى غليه من سبقوهم من العجَزة المهزومين، وسيبقى الإسلام قويًا محفوظًا، وسيخرج من هذه الحرب الصليبية غالبًا ظافرًا منصورًا بإذن الله.

ويبقى الوعد القرآني الذي يقطعه قوله تعالى: (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ) نافذًا مُنْجَزًا، ويبقى ماضيًا محقّقًا، على اختلاف الزمان والمكان.

لا يخشى المسلمون الكافرين:

الحقيقة الثانية: بما أن الكافرين يائسون مهزومون، فلماذا يخشاهم المسلمون، ويخافونهم على دينهم؟ لا يجوز أن يخشوهم، لأن العاجزين لا يخشاهم أحد، والكفار عاجزون: (فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ) .

صحيح أن حرب الكفار للمسلمين مستمرة، لكنها حرب يائسين عاجزين، ويجب على المسلمين أن يواجهوها ويخوضوها، مع يقينهم أنهم الغالبون المنصورون فيها. كما قال تعالى: (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ، إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ، وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ) [الصافات: 171 - 173] .

إن الآية تُقوي المؤمنين على مواجهة وتحدي الكافرين، وترفع نفسياتهم وهممهم ومعنوياتهم أمامهم، وتدعوهم إلى إحسان النظر إليهم .. إنهم ليسوا غالبين قاهرين، قادرين على كل شيء، كما يحاولون أن يوهموا المسلمين بذلك، وإنهم مهما ملكوا من قوة لن يجاوزوا قدرهم، ولن يزيدوا عن حجمهم، فهم يائسون عاجزون! وكيف يخشى المسلمون عاجزين يائسين؟!.

ردة معاصرة عن الإسلام:

ثانيًا: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَاتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ، إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ، وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ) [المائدة: 54 - 56] .

تتحدث الآية عن صفات المؤمنين الصالحين، الذين يحملون هذا الدين، إذا تخلى بعض أهله عنه، وهذا وعد صادق من الله، باستمرار وجود الدعاة الصالحين، الذين يحملون لواء الإسلام، ويدعون إليه، ويواجهون أعداءه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت