الصفحة 36 من 152

سورة الأنعام مكية، موضوعها الأساسي هو العقيدة، فهي تعرض حقائق العقيدة، وتقدم الأدلة على وحدانية الله، وتقيم الحجة على الكافرين، وتفنّد ما هم عليه من كفر وشرك، وتبطل إشاعاتهم وشبهاتهم ضد الحق، وتقود المؤمنين في مواجهة الباطل.

وأُنزلت سورة الأنعام في فترة حرجة شديدة، عاشتها الدعوة الإسلامية في مكة، وكانت أقسى الفترات التي مرت بها، وكان هذا في سنوات حصار المؤمنين في شِعْبِ أبي طالب، وما أعقبها من عام الحزن، وإيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم في الطائف، إلى أن كانت حادثة الإسراء والمعراج.

كانت الدعوة الإسلامية محاصرة حصارًا شديدًا في هذه الفترة الحرجة، حيث اشتد إيذاء وتعذيب الكافرين للمسلمين، وكان المسلمون يبحثون عن مخرج لهذا الحصار، وينتظرون الفرج من الله!.

وأُنزلت سورة الأنعام في هذه الفترة الحرجة، بهدف تعليم المسلمين الحجة، وملء قلوبهم بالأمل، ورفع هممهم ومعنوياتهم وعزائمهم.

ولذلك تضمنت آيات السورة وعودًا قرآنية بهزيمة وعقاب الكافرين، ونصر المسلمين، والتمكين لهم في الأرض. وكانت الوعود في الآيات التالية:

تهديد الكفار بالهزيمة في غزوة بدر:

أولًاَ: قوله تعالى: (وَمَا تَاتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ، فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ فَسَوْفَ يَاتِيهِمْ أَنبَاء مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) [الأنعام: 4 - 5] .

تتحدث الآيتان عن موقف الكفار من الحق، فقد تعاملوا معه بعناد واستكبار، وكلما أسمعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم آيات من القرآن، وفهموا ما فيها من أدلة وحجج وبراهين، كانوا يعرضون عنها عنادًا، فلا يٌقرّون أنها من عند الله، ولا يؤمنون بأن القرآن كلام الله، ولا يعترفون أن محمدًا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما كانوا يكذبون بالحق الواضح، ويستهزئون بالرسول صلى الله عليه وسلم، ويسخرون من المؤمنين، ويزدادون عداوة للحق وأهله.

وعندما كان يخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه سينتصر عليهم، يزدادون سخرية واستهزاء، وتكذيبًا للرسول صلى الله عليه وسلم، حيث كانوا ينظرون لذلك نظرة مادية، فهم أكثر قوة وعددًا ومالًا، والمسلمون مستضعفون فقراء أقلية، لا يملكون مالًا ولا سلاحًا ولا كيانًا، فكيف يهزمون أهل مكة الأقوياء، ويتغلّبون عليهم؟.

وقد توعدهم الله وهددهم بالعذاب: (فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ فَسَوْفَ يَاتِيهِمْ أَنبَاء مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) .

والمعنى: كذب الكفار بالحق، ونفَوْا أن ينتصر، وهم مخطئون في ذلك، وسوف تأتيهم الأنباء التي كانوا يُكذِّبون ويستهزئون بها، وذلك عندما تتحقق الوعود التي وعد الله بها المؤمنين، والتوعّدات التي توعد الله بها الكافرين.

وإتيان الأنباء إليهم، عندما تنشب المعارك بينهم وبين المسلمين، وعندما ينصر الله المؤمنين عليهم.

فهذه الجملة: (فَسَوْفَ يَاتِيهِمْ أَنبَاء مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) وعد للمؤمنين بالنصر، ووعيد للكفار بالهزيمة.

وقد تحقق الوعد بعد بضع سنين من نزول هذه الآيات، وكان ذلك في السنة الثانية من الهجرة، على أرض معركة بدر، حيث نصر الله الحق، وهزم الباطل، وفقد الكافرون زعيمهم أبا جهل، وسبعين رجلًا معه، إضافة إلى الجرحى والأسرى منهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت