ولما أصاب المشركين في بدر ما أصابهم، أتتهم الأنباء التي كانوا يستهزئون بها، وتحققت الوعود القرآنية في الآيات المكية، بهزيمة الكافرين وانتصار المؤمنين، وعاش المؤمنون والكافرون صورتها العملية الواقعية، وبذلك تحوّل الوعد القرآني من صورته النظرية إلى صورته العملية.
الكفار خاسرون في حرب الإسلام:
ثانيًا: قوله تعالى: (وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) [الأنعام: 26] .
تتحدث الآية عن جهود الكفار في محاربة القرآن، والوقوف أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتبين أنهم لن ينجحوا في ذلك، وهم الذين سيخسرون.
كان زعماء وقادة الكفار ينهون أتباعهم عن الدخول في الإسلام، ومتابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينأون هم عنه، ويبتعدون عن الإيمان به.
وتعود الهاء في (عَنْهُ) على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما معه من القرآن والحق، أي: ينهى زعماء قريش أتباعهم عن الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم، وهم ينأون ويبتعدون عنه.
لقد ارتكب هؤلاء الزعماء جريمتين: الجريمة الأولى في حق أنفسهم، حيث كفروا ونأوا وابتعدوا عن الإيمان .. والجريمة الثانية في حق الآخرين، حيث نهوهم عن الإيمان.
وهدفهم من النأي والنهي القضاء على الحق، وإبطال دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم، والتغلّب عليه، وهزيمته في النهاية.
وأشارت إلى هذه الجرائم والوسائل الخبيثة آيات أخرى في القرآن، منها قوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ) [فصلت: 26] .
طلب قادة الكفر من أتباعهم أن لا يستمعوا للقرآن، وأن يلغوا فيه ويُشوّشوا عليه، لئلا يسمعه الآخرون، لأنهم يخشون أن يؤمن الآخرون به إذا استمعوا له، لأنه سرعان ما يدخل القلب ويؤثر فيه، والحل عندهم هو اللغو والتشويش لئلا يستمعوا له!.
هل ينجح الكفار في اللغو والتشويش على القرآن؟ وفي إيقاف انتشاره عندما ينهَوْن وينأون عنه؟ وهل يمكن أن يغلبوه ويهزموه؟.
الجواب بالنفي. وقد حسمت الآية المسألة، وقررت نتيجة حربهم للقرآن، بأنهم الخاسرون الهالكون: (وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) .
وهذا وعد قرآني قاطع، صيغ بهذه الجملة المحددة، حيث نفت إمكانية نجاحهم أو انتصارهم، وحصرت الهلاك بهم، ومعلوم أن اجتماع"إن"النافية، و"إلا"الاستثنائية معًا يدل على الحصر: (وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) .
الكفار لا يفكرون في العواقب:
إن الكفار -في الماضي والحاضر والمستقبل- يهلكون أنفسهم بأنفسهم، ويجلبون العذاب لأنفسهم بأنفسهم، ويحفرون قبورهم بأيديهم، ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله.
ولذلك نفت الآية عنهم الشعور بعواقب الأمور: (وَمَا يَشْعُرُونَ) .
إنهم حاقدون متوترون هائجون، يحاربون القرآن بعصبية وتشنج ونزق، ويرسمون الخطط والمؤامرات، ويستخدمون مختلف الأساليب والوسائل، ويظنون أنهم سينجحون في مسعاهم، وسيقضون على القرآن .. وما درى هؤلاء المساكين أنهم سيفشلون في حربهم، وأن القرآن سيخرج منها قويًا ظافرًا متصورًا، وهم الذين يهلكون ويخسرون وينهزمون.
ولو كانوا يشعرون في غمرة تخطيطهم وهياجهم، ولو كانوا يرون هذه النهاية التعيسة البائسة لحربهم، فقد يتخلون عنها ..