الصفحة 94 من 152

البشرى بإكمال الدين وإتمام النعمة:

من الآيات التي وعدت المسلمين بالنصر والتمكين، وإظهار إسلامهم، ويأس الكافرين من القضاء عليه، واستمرار حربهم للمسلمين، هذه الآيات:

أولًا: قوله تعالى: (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا) [المائدة: 3] .

تقدم هذه الآية بشرى للمسلمين بإكمال دينهم، وإتمام نعمة الله عليهم، كما تقدم لهم وعدًا قاطعًا برسوخ أمر دينهم، وقوته واستقراره، بحيث يئس الكفار من القضاء عليه.

وقد عرف المسلمون قيمة وعظمة معنى هذه الآية، وجعلوا يوم نزولها عيدًا!.

وروى البخاري [برقم: 45] ، ومسلم [برقم: 3017] عن طارق بن شهاب:"أن رجلًا من اليهود قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين! آية في كتابكم تقرؤونها، لو علينا -معشر اليهود- نزلت، لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا!."

قال له عمر: أي آية؟.

قال: قوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا) .

قال عمر: قد عرفنا ذلك اليوم، والمكان الذي نزلت فيه على النبي صلى الله عليه وسلم، نزلت عليه وهو قائم بعرفة يوم جمعة"."

يريد ذلك اليهودي أن (يتعالم) على عمر رضي الله عنه، ويظهر له معرفته بالقرآن، ولذلك قال له: إن آية: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ... ) عظيمة، ولو أنها أنزلت علينا نحن اليهود، لاتخذنا يوم إنزالها عيدًا!.

فرد عليه عمر رضي الله عنه، وبين له أن المسلمين يعرفون معنى هذه الآية وعظمتها ودلالتها، وأن الله أنزلها في أعظم أيام السنة، وهو يوم عرفة، وقد كان يوم عرفة يوم جمعة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم واقفًا بعرفات يوم أنزلها الله عليه.

ويريد عمر رضي الله عنه أن يقول لليهودي: لقد جعلنا يوم نزولها عيدين، وليس عيدًا واحدًا، فيوم الجمعة الذي أُنزلت فيه عيد أسبوعي للمسلمين، ويوم عرفة الذي أنزلت فيه عيد سنوي للمسلمين.

وقد امتن الله على المسلمين في هذه الآية بالمنة العزيمة، وهي منة إكمال دينهم، وإتمام نعمته عليهم، حيث رضي لهم الإسلام دينًا، فاكتفوا واستغنوا به، ولم يعودوا محتاجين إلى استعارة أو استيراد غيره.

ووقفتنا مع قوله: (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ) .

إن هذه الجملة تقدم لنا حقيقتين عظيمتين:

يأس الكفار من القضاء على الإسلام:

الحقيقة الأولى: يأس الكافرين من القضاء على الإسلام، الذي رضيه الله دينًا للمسلمين، رغم إعلانهم الحرب الطاحنة ضده، واستخدامهم كل الأسلحة الممكنة فيها، ورغم استمرار هذه الحرب طيلة تاريخ المسلمين، على اختلاف أزمانهم وأوطانهم.

منذ بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والكفار يعادونه ويحاربونه، وطيلة الفترة المكية من عمر الدعوة الإسلامية، التي استمرت ثلاثة عشر عامًا، والكفار يحاربون رسول الله صلى الله عليه وسلم حربًا شرسة، ليس فيها قتال وإطلاق نار، لكنها حرب بمختلف الأسلحة الأخرى، بهدف قتل دعوته، والقضاء على دينه، ولكنهم فشلوا، وعجزوا عن تحقيق هدفهم!.

ولما هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم، اجتمعت أحزاب الكفار من اليهود والمنافقين والمشركين، للقضاء على دينه، وحاربه المشركون حربًا عسكرية، بالإضافة إلى الأساليب الأخرى، واستمرت هذه الحرب عشر سنوات .. ولم يُقصّروا في استخدام كل ما يقدرون عليه .. ولكنهم فشلوا وخسروا، وانهزموا أمام الإسلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت