بما أن الله لا يخلف الميعاد، وبما أنه يصدق عباده وعده، وينجزه لهم، لأنه الأصدق وعدًا وقولًا وحديثًا، لذلك وصَف وعده بأنه الوعد الحق. أي: هو الوعد الصادق، الذي يتحقق عمليًا على أرض الواقع. فالحق بمعنى الصحة والصدق والصواب، ولذلك ينجَزُ ويُنْفَّذ عمليًا.
آيات في وعد الله الحق:
الآيات التي وصفت وعد الله بأنه (الوعد الحق) كثيرة، منها هذه الآيات:
أولًا- قال تعالى: (فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) [القصص: 13] .
الآية في سياق آيات، تتحدث عن ميلاد موسى عليه السلام. فقد أوحى الله إلى أم موسى بالتصرف المناسب، لإنقاذ موسى الوليد من خطر فرعون، ووعدها أن يرده إليها. قال تعالى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) [القصص: 7] .
ورد الله الوليد إلى أمه، وفق تدبيره وتقديره الحكيم سبحانه، وكان ردّه إليها تحقيقًا لوعده النظري لها. فقد قال لها: (إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ) ، ولكنها لم تعرف كيف يرده الله إليها .. ومن حِكَم رده إليها أن تقرّ عينها، وأن لا تحزن، ومن حكمه أيضًا أن تعلم أن وعد الله لها حق. أي: أن ترى تحقّقه العملي أمامها، بأن يكون ابنها معها.
ثانيًا -قال تعالى: (أَلا إِنَّ لِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَلاَ إِنَّ وَعْدَ اللّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ) [يونس: 55] .
تربط الآية بين ملك الله لكل ما في السموات والأرض، وبين كون وعده هو الحق، وهذا الربط مقصود ومراد، لأنه لا ينفِّذ ما وعد به إلا من كان قادرًا على ذلك، ولا يقدرُ على ذلك إلا إذا كان مالكًا غنيًا، قاهرًا قويًا، وإن لم يكن كذلك كان عاجزًا، وعجزه يقعدُ به عن تحقيق الوعد.
والله هو المالك الغني، والقادر القوي، وملكه للسموات والأرض مرتبط مع قدرته على تحقيق وعده.
ووعده الحق هو وعده المنجَز المتحقق، المنطبق على الواقع، وفق ما وعد به. والمؤمنون يوقنون بذلك، والكافرون ينكرونه، لأنهم لا يعلمون قدرة الله وقوته!.
ثالثًا -قال تعالى: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ) [الأحقاف: 16] .
أثنى الله في الآية السابقة من السورة على المؤمنين الصالحين، البارّين بوالديهم، الشاكرين لربهم، وفي هذه الآية أخبر أنه سيتقبل عنهم أحسن أعمالهم، ويتجاوز عن سيئاتهم، ويدخلهم الجنة، ويجعلهم مع أصحابها المنعّمين فيها.
ثم أخبر أنه وعد هؤلاء المتقين الجنة وهم في الدنيا، ووعده حق وصدق، ولذلك ينجزه لهم، فيدخلهم برحمته جنته.
وأخبر في الآية التي بعدها مباشرة أن رجلًا كان كافرًا بالله، عاقًا لوالديه، مكذبًا بوعد الله، بينما كان والداه مؤمنَيْن بالله، موقنين بأن وعده حق. قال تعالى: (وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتْ الْقُرُونُ مِن قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ) [الأحقاف: 17] .
الوالدان مؤمنان، يوقنان أن وعد الله حق، وهو ما أخبر عنه من بعْث الناس يوم القيامة، وهو آت لا محالة، سيتحقق فعلًا كما أخبر عنه الله.