يخبر الله أنه أرسل رسلًا رجالًا، قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصبروا على ما لاقوه من قومهم، من كفر وتكذيب وحرب، وقد وعدهم الله النصر على أعدائهم، ولما انتهت دعوتهم مع قومهم، صدقهم الله الوعد، فأنجاهم مع أتباعهم المؤمنين، وأهلك الأعداء الكافرين.
ومعنى (صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ) : أنجزنا لهم ما وعدناهم، فصدق الوعد: تطبيقه، وتحويله إلى واقع، ونقله من دائرة الكلام النظري إلى حالة الوجود العملي.
4 -من سورة آل عمران:
قال تعالى: (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ ... ) [آل عمران: 152] .
هذه الآية في سياق الحديث عن غزوة أحد، التي جرى فيها ما جرى للمسلمين، حيث انتصر المسلمون في الجولة الأولى منها، ولما ارتكبوا مخالفتهم بحسن نية، أدبهم الله، ورجع المشركون عليهم، وأصابوا منهم القتلى والجرحى، وتعلموا من ذلك الدروس والعبر!.
يخبر الله المسلمين في هذه الآية أنه: (صدقهم وعده) وتفسير هذه الجملة في الجملة التي تليها مباشرة: (إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ ... ) ، ومعناها: إذ تقتلون المشركين بإذن الله.
وهذه إشارة إلى الجولة الأولى من غزوة أحد، التي لم تستمر إلا فترة قصيرة جدًا، حيث قتلوا من قتلوا من المشركين، وانهزم المشركون أمامهم.
وصدقهم الله وعده في هذه الجولة بأن سلطهم على المشركين، وجعلهم يغلبونهم ويهزمونهم، ونصرهم عليهم، وقد وعدهم النصر في آيات عديدة قبل غزوة أحد، وتحقق هذا الوعد عمليًا على أرض أحد، في المرحلة الأولى من المعركة.
وسمي هذا التحقق العملي صدقًا وتصديقًا للوعد.
4 -من سورة الأحزاب:
قال تعالى: (وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا) [الأحزاب: 22] .
تخبر الآية عن موقف المؤمنين من هجوم الكفار عليهم في غزوة الأحزاب، من العرب المشركين واليهود الماكرين والمنافقين، فلما رأوا المدينة محاصرة من أحزاب الكفر، لم يُحبطوا أو يُرعبوا، وإنما قالوا: هذا ما وعد الله ورسوله، وصدق الله ورسوله .. وازدادوا إيمانًا بالله، وتصديقًا بكلامه، وتسليمًا لقضائه، وثباتًا على قتال أعدائه.
لما رأوا أحزاب الكافرين، تذكّروا ما وعدهم الله إياه، حيث وعدهم قتال الكفار لهم، وهجومهم عليهم، ثم وعدهم النصر عليهم، إن نصروا الله وثبتوا في القتال، وكان هجوم الأحزاب عليهم تصديقًا من الله لهم، حيث تحوّل به الوعد من الصورة النظرية إلى الصورة العملية الواقعية، ولذلك قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله.
تدل هذه الآيات -وغيرها كثير في القرآن- على أن الله يَصْدُقُ عباده وعوده التي يعدهم إياها، وهذا الصدق هو تحويل تلك الوعود من صورتها النظرية (الوعدية) إلى صورتها العملية التطبيقية الواقعية.
والله يفعل ذلك لأنه هو الأصدق حديثًا، والأصدق قولًا ووعدًا، وهو لا يخلف الميعاد، سبحانه وتعالى.