الصفحة 79 من 152

تسأل الآية كفار قريش: لقد سمعتم عن إهلاك الكفار السابقين، فلماذا لم تتعظوا وتعتبروا؟ هل كفاركم خير من أولئك الكفار السابقين؟ وهل أنتم أقوى منهم؟ لستم خيرًا منهم، ولستم أقوى وأكثر أموالًا وأولادًا منهم!.

وقد ذكرت هذه الحقيقة آيات عديدة، منها قوله تعالى: (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ) [الأنعام: 6] .

وبما أن الكفار السابقين أقوى من كفار قريش، ولم تدفع عنهم قوتهم العذاب، فإن كفار قريش أكثر ضعفًا وعجزًا عن دفع العذاب، فلماذا لا يعتبرون ويتخلّون عن كفرهم؟.

وتسألهم الآية سؤالًا ثانيًا: (أَمْ لَكُم بَرَاءةٌ فِي الزُّبُرِ) والمراد بالزّبر هنا: الكتب الربانية التي أنزلها الله على رسله، مفردها (زبور) بمعنى كتاب.

والمعنى: لماذا أنتم آمنون من العذاب مع كفركم وتكذيبكم؟ هل أعطاكم الله أمانًا وبراءة في كتبه؟ .. الجواب بالنفي، فلا يملكون تلك البراءة، لأن الله لا يُقرّ في كتبه كافرًا على كفره، ولا يعطيه الأمان بالنجاة إن وقع به عذاب!.

وتُوجِّه لهم الآيات سؤالًا ثالثًا: (أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ) . أي: هل يظن كفار قريش أنهم متفقون مجتمعون، وأن تجمّعهم وتعاونهم واتفاقهم يحقق لهم النصر؟ ويدفع عنهم العذاب؟.

وتقذف الآيات الرعب في قلوبهم، وتهددهم بالهزيمة: (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ) . أي: سيهزم جمع الكفار المجتمعين في المستقبل، عندما تنشب المعارك بينهم وبين المسلمين، وسيولون الأدبار منهزمين.

وبعد جزم الآية بهزيمة الكفار في الدنيا، توعّدتهم الآية التالية بالعذاب الشديد في الآخرة: (بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ) .

وقدمت لهم الآيات التالية مشهدًا لذلّهم وعذابهم في الآخرة: (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ، يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ) .

نصر المؤمنين وهزيمة الكافرين بقدر من الله:

وفي هذا السياق وما فيه من الوعد للمؤمنين، والوعيد والتهديد للكافرين، تقرر آية محكمة حقيقة القدر. قال تعالى: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) .

فكل شيء في هذا الكون مخلوق، خلقه الله بقدره، وأوجده في الزمان المحدد، والمكان المحدد، بحكمته سبحانه، فهو الذي يقدر الأشياء ويوجدها.

ومن ذلك تحقق الوعد بهزيمة الكفار، وانتصار المسلمين عليهم في الدنيا، فالله الذي يحدد الزمان والمكان والكيفية، بحكمته وقدره سبحانه.

وإذا جاء الوقت المحدد، فإنه سبحانه يحقق قدره ويمضي إرادته، والأمر هين عليه سبحانه: (وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ) . أي: نحقق أمرنا بكلمة واحدة، هي كلمة: (كُن) فيوجد الشيء الذي أردناه كلمح البصر. وعلى هذا قوله تعالى: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [يس: 82] .

وعادت الآيات إلى تهديد كفار قريش: (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ) . أي: أهلكنا أشباهكم وأمثالكم من الكفار السابقين، كعاد وثمود ومدين، فهل منكم من يتذكر ويتعظ ويعتبر؟.

وتستمر الآيات في تهديد كفار قريش، بإخبارهم أن كل شر وسوء وكفر وتكذيب حصل من الكفار وصدر عنهم، فإن الله قد سجّله وأحصاه، وأثبته في الزبر والكتب، التي يُثبتُ فيها أفعال الناس، صغيرها وكبيرها: (وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ، وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ) .

وعد المؤمنين بالنصر على الكافرين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت