والتهديد الصريح للكفار في قوله: (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ) . وهذا وعيد لهم، بهدف قتل هممهم، وإضعاف عزائمهم، وتحطيم معنوياتهم، وهو ضمن (الحرب النفسية) التي يشنها القرآن على الأعداء بقوة وجدارة، ويهز فيها نفسياتهم، ويقضي على إراداتهم!.
وتقدم هذه الآية وعداُ قرآنيًا للمؤمنين، بأنهم سوف يهزمون جمع قريش في المستقبل، بحيث يولّي الكافرون الأدبار.
وهدف هذا الوعد هو رفع معنويات المؤمنين، وملء نفوسهم أملًا بالمستقبل، وتبشيرهم البشرى المشرقة العظيمة، وبذلك يزدادون ثباتًا على الحق، وتصميمًا على تحدي الباطل، وثقة بأن المستقبل لهم، وإعدادًا للمرحلة القادمة من الصراع مع الكفار، وهي مرحلة قتالهم وهزيمتهم.
ولا ننسى أن الصحابة تلقوا هذا الوعد القرآني: (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ) وهم مستضعفون في مكة، معذبون مضطهدون فيها.
لقد كانت القوة والغلبة وقت نزول الآية التي أطلقت ذلك الوعد للكفار، الذين هم قادة مكة وزعماؤها، وبيدهم الأمر والمال والجاه والقرار، والناس أتباع لهم .. بينما كان المسلمون في مكة أقلية ضعفاء، لا يملكون مالًا ولا سلطانًا ولا متاعًا، إلا القليل من ذلك الذي لا يكاد يُذْكَر.
وفي هذا الجو الخاص، الذي لم تكن فيه القوتان متكافئتين -قوة الكفار وقوة المسلمين- حيث كانت قوة الكفار غالبة مستعلية، وقوة المسلمين مبتدئة، تشق طريقها بصعوبة، وسط العقبات والحواجز التي يضعها الكفار أمامها.
في هذا الجو ينزل الله آية تقدم وعدًا لهذه القوة الإسلامية النامية، بأنها سوف تقوى وتشتد، وتقف أمام قوة الكافرين، وتحطمها وتهزمها!.
إن الجزم بهذا الوعد القرآني يدل على أن القرآن كلام الله، لأنه لا يَجزم بشر بهذا الجزم، لعدم وجود مؤشر مادي على هزيمة جمع الكفار، في تلك الفترة الزمنية المتقدمة، من بدايات عمر الدعوة الإسلامية في مكة!.
ولما سمع الكفار الوعيد والتهديد في الآية، والجزم بأنهم سينهزمون أمام المسلمين ويولونهم الأدبار، صاروا يسخرون ويستهزئون ويتندّرون، ويعتبرون ذلك مستحيلًا!.
أما المؤمنون فإنهم تلقّوا عن الآية وعدها، واستبشروا به، وأيقنوا أنه سيتحقق لا محالة، وإن لم يعرفوا كيف ولا متى ولا أين سيتحقق؟.
وثقوا بتحقق الوعد، وتركوا كيفية إنجازه وإمضائه إلى الله الحكيم الخبير.
متى حقق الله لهم وعده؟:
ومضت السنوات المكية من عمر الدعوة الإسلامية تِباعًا، وانتهت الفترة المكية والقوة المادية الغالبة لكفار قريش .. وهاجر المسلمون إلى المدينة، وأقاموا فيها كيانهم ..
وبعد سنتين من الهجرة، جاء وقت إنجاز الوعد القرآني الذي أطلقته آية سورة القمر، قبل أكثر من تسع سنوات.
كان ذلك في غزوة بدر، في شهر رمضان من السنة الثانية من الهجرة، وهي أول مرة يلتقي فيها الجمعان، جمعُ المؤمنين بقيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجمع المشركين بقيادة أبي جهل.
وكلنا يعرف نتائج غزوة بدر، التي نصر الله فيها المسلمين، وهزم جمع الكافرين القرشيين، الذين قتل منهم سبعون رجلًا، في مقدمتهم زعيمهم أبو جهل وأُسِرَ سبعون آخرون، وفرّ الآخرون من الميدان، مولين الأدبار.
ولنقف أمام موقف الصحابة الإيجابي من هذا الوعد القرآني، وإخبارهم عن تحققه على أرض بدر.
الرسول يسأل ربه إنجاز وعده: