سورة القمر مكية، نزلت في جو اشتداد أذى قريش للمسلمين، وتكذيبهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان المسلمون في مكة قلائل مستضعفين، يستقبلون أذى واضطهاد وتعذيب الكفار بصبر وثبات.
وكان من أهداف سورة القمر تثبيت المؤمنين على الحق، وتعريفهم بطريق الدعوة، ودعوتهم إلى الصبر، وتبشيرهم بالفرَج، وملء قلوبهم ونفوسهم بالأمل الكبير بالنصر .. وتهديد الكافرين الظالمين بالعذاب، عن طريق عرض بعض النماذج والأمثلة، لمن سبقهم من الكافرين، ليعتبروا ويتعظوا، ويتخلّوا عن ما هم فيه من كفر وطغيان.
موضوع السورة:
بدأت السورة بالحديث عن معجزة باهرة، معجزة انشقاق القمر أمام المشركين، وتكذيبهم بها، وزعمهم أنها سحر لا حقيقة له، وتهديدهم بالعذاب.
ثم عرضت مشاهد سريعة من قصص الأنبياء السابقين، مع أقوامهم المكذبين، كان التركيز فيها على كفرهم وتكذيبهم واستهزائهم، ثم إهلاكهم وتدميرهم.
والأقوام الذين تحدثت عنهم آيات السورة: قوم نوح، وقوم عاد، وقوم ثمود، وقوم لوط، وقوم فرعون.
وعقبت السورة على إهلاك كل قوم منهم بآية: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ) التي ذكرت أربع مرات [آيات: 17، 22، 32، 40] .
والتعقيب بهذه الآية على القصص الأربع مقصود، الهدف منه تقرير حقيقة تيسير القرآن للذكر، وهذه من أهم خصائص القرآن، فالله يسّر تلاوته وفهمه وحفظه وتطبيقه، كما يسّر التذكّر والعبرة والعظة، بما يعرض فيه من قصص وأمثلة، ونماذج وحوادث، وسنن وحقائق.
وتحث الآية على التذكر والاعتبار: (فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ) . أي: هل يوجد شخص واع بصير، يقف عند العظات القرآنية متدبرًا متذكرًا؟!.
و (مُّدَّكِرٍ) : اسم فاعل على وزن (مُفْتَعِل) ، فعله الماضي خماسي هو: (ادّكر) على وزن (افتعل) . وقد ورد هذا الفعل في قوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُم بِتَاوِيلِهِ) [يوسف: 45] .
وأساس: (ادّكر) : اذتكر، على وزن: افتعل.
الثلاثي منه: ذكر. أُدْخِلت تاء الافتعال لمزيد من التأكيد، فصار اذتكر، وأُبدلت التاء دالًا للستهيل، فصارت: اذدكر. وأدغمت الذال في الدال إدغام المتقاربين، فصارت: ادّكر. واسم الفاعل منها: مُدّكر، على وزن: مفتعل!.
تهديد الكفار بالهزيمة:
وبعدما انتهت آيات السورة من الحديث عن الهالكين، التفتت إلى كفار قريش، وهدّدتهم بالعذاب، وتوعدتهم بالهزيمة أمام المسلمين، ووعدت المسلمين بالنصر عليهم، قال تعالى: (أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءةٌ فِي الزُّبُرِ، أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ، سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ، بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ، إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ، يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ، إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ، وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ، وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ، وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ، وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ) [القمر: 43 - 53] .
الخطاب في قوله: (أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ) لكفار قريش، والهمزة في (أَكُفَّارُكُمْ) للاستفهام الإنكاري، والآية تنكر على كفار قريش عدم اعتبارهم بما جرى للكافرين السابقين.
و (أُوْلَئِكُمْ) : اسم إشارة للبعيد، والمراد به الكفار السابقون المذكورون في ما سبق من آيات السورة، وهم قوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم لوط، وآل فرعون.