الصفحة 63 من 152

سورة الإسراء مكية، أُنزلت في الفترة الحرجة نفسها، التي سبق أن تحدثنا عنها. ولذلك كان هدفها نفس أهداف السور السابقة، ولكنها تحقق هدفها بطريقتها الخاصة، التي تتفق مع شخصيتها المستقلة.

ومن أهم ما وعدت به آيات السورة، حديثها عن الإفسادين اليهوديّين الكبيرين، المقرونين بالعلو والاستكبار، وتقريرها زهوق الباطل.

إفسادان كبيران لبني إسرائيل:

أولًا: قال تعالى: (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا، فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَاسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا، ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا، إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَاتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا، عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا، إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) [الإسراء: 4 - 9] .

تتحدث هذه الآيات الست، عن وعد إلهي، قطعه الله، وأخبر بني إسرائيل عنه، وبما أنه وعد من الله فإنه منجَز لا محالة.

أخبر الله بني إسرائيل في كتابه الذي أنزله إليهم (التوراة) ، عن إفسادين اثنين، مقرونين بالعلو الكبير: (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا) .. ومعنى (وَقَضَيْنَا) هنا: أخبرنا وأعلمنا بني إسرائيل.

والمراد بالكتاب هنا: التوراة، وهذا معناه أن الإفسادين المذكورين في هذه الآيات وكيفية إزالتهما، مذكوران في نصوص التوراة، فإن لم نجد في أسفار العهد القديم، الموجودة بين أيدي اليهود الآن، فلأن أحبار اليهود أضاعوا التوراة، وحرفوها، ومزجوا كلام الله بكلامهم الكثير الباطل.

وذكر الإفسادين وصفاتهما وكيفية إزالتهما في آيات القرآن يوحي بأنهما سيكونان بين اليهود وبين أمة القرآن، فالمسلمون هم الذين سيُبْتلون بهذين الإفسادين اليهوديين، وهم الذين سيزيلونهما ويقضون عليهما.

وعد الله بالإفسادين وإزالتهما:

وبما أن هذين الإفسادين اليهوديين موجهان للمسلمين، فالحديث عنهما في آيات القرآن وعد، وعد الله به المسلمين أن يواجهوا هذين الإفسادين اليهوديين، كما أنه وعدهم أن يزيلوهما ويقضوا عليهما.

ولذلك أوردنا الحديث عن الإفسادين ضمن الحديث عن الوعود القرآنية التي تحققت، والوعود القرآنية التي لم تتحقق حتى الآن، ولكنها ستتحقق حتمًا في المستقبل.

ولذلك وردت كلمة (وعد) ، في الآيات التي تتحدث عن الإفسادين، أربع مرات:

الأولى: في قوله: (فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا) .

الثانية: في قوله: (وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا) .

الثالثة: في قوله: (فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُوا وُجُوهَكُمْ) .

الرابعة: في قوله: (وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الأَرْضَ فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا) [الإسراء: 104] .

كُرِّر الحديث عن الوعد في وقوع الإفساد الأول مرتين، وعن الإفساد الثاني مرتين أيضًا، وما ذلك إلا لتأكيد تحقق وقوع ذلك الوعد، وحصول الموعود به من الإفسادين!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت