الصفحة 64 من 152

وقد اختلف المؤلفون والباحثون المعاصرون في وقت وقوع الإفسادين، وتحقق الوعدين، ولكن معظمهم على أن الإفساد الأول كان في المدينة، وما حولها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأننا -مسلمي هذا الزمان- نعيش الإفساد الثاني، وهذا ما نرجِّحه .. ونقدم خلاصة معنى الآيات التي قدمت الوعدين على هذا الأساس!.

وقوع الإفساد الأول:

قال تعالى عن الإفساد الأول: (فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَاسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا) .

(أولاهما) : بمعنى: المرة الأولى، لأن الله تعالى قال في الآية السابقة: (لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ) . فمعنى: (فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا) : إذا حان وقت تحقق وعد المرة الأولى، وذلك بوقوع الإفساد الأول.

واللافت للنظر أن الآيات لم تتحدث عن مظاهر الإفساد اليهودي الأول، ولم تبين وضع اليهود خلاله وأثناءه، وإنما تحدثت عن العباد الربانيين الذين يزيلونه!.

قال تعالى: (فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَاسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلاَلَ الدِّيَارِ) .

الرسول وأصحابه هم الذين أزالوا الإفساد الأول:

الحديث في الآية عن الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، الذين أزالوا الإفساد اليهودي الأول، في المدينة وما حولها، وكان ذلك بعد الهجرة.

وقد أخبر الله أن يبعث عباده بعثًا على اليهود، وإسناد الفعل (بعثنا) إلى الله يدل على تكريم هؤلاء المجاهدين، المبعوثين بعثًا على اليهود.

ووصف الله هؤلاء المجاهدين بأنهم عباد له: (عِبَادًا لَّنَا) ، أي: تتحقق فيهم العبودية المطلقة الخالصة لله، وهذا تكريم رباني آخر لهؤلاء المجاهدين.

وهؤلاء المجاهدون أقوياء: (أُوْلِي بَاسٍ شَدِيدٍ) . وقوة اليهود المقرونة بالعلو الكبير تحتاج إلى مجاهدين أقوياء، متصفين بالبأس الشديد.

وأعان الله الصحابة المجاهدين، ونصرهم على اليهود المفسدين، وجاسوا وتحركوا خلال ديار اليهود وبساتينهم وبيوتهم، وأخرجوا اليهود من الديار، وأورثهم الله إياها.

إن قوله: (فَجَاسُوا خِلاَلَ الدِّيَارِ) إجمال لحرب الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه لليهود .. وقد تكفّلت روايات السيرة بالحديث عن إجلاء يهود بني قينقاع بعد غزوة بدر، وإجلاء يهود بني النضير بعد غزوة أحد، وقتل يهود بني قريظة بعد غزوة الأحزاب، والقضاء على يهود خيبر بعد صلح الحديبية.

وخُتمت الآية بجملة: (وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا) ، وذلك للتأكيد على حقيقة تحقق الوعد القاطع الناجز، في جانبيه: الجانب الأول تحقق الوعد بحصول الإفساد الأول. والجانب الثاني: تحقق الوعد ببعث عباد الله الربانيين المجاهدين الذين يزيلون ذلك الإفساد.

أي: كان الوعد بوقوع الإفساد الأول وعدًا مفعولًا واقعًا، وكان الوعد بإزالته وعدًا مفعولًا واقعًا أيضًا.

وقد تحقق الوعد القرآني المتعلق بالإفساد الأول، في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، فما قُبِض عليه الصلاة والسلام إلا بعد أن تم إزالة الإفساد الأول، وتحطيم قوة قبائل اليهود: بني قينقاع، وبني النضير، وبني قريظة، ويهود خيبر، وفدك وتيماء. وتحوّل اليهود إلى أفراد متفرقين هنا وهناك في الحجاز، ولا كيان لهم، ولا خطر منهم!!.

تحقق الوعد القرآني بوقوع الإفساد الثاني:

أخبرت الآيات عن مظاهر قوة اليهود، عند الإفساد الثاني الكبير، قال تعالى: (ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا، إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَاتُمْ فَلَهَا) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت