قال تعالى: (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَاوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) [يوسف: 100] .
لقد كانت الرؤيا التي رآها وهو طفل صغير وعدًا وبشرى من الله له، وبقي الوعد معلقًا سنين عديدة، ومر يوسف الموعود بتجارب مثيرة، وأحداث عديدة، قدّرها الله له، وساق خطاه فيها، ورتب له الأمور، وهيأ له الأسباب، وأخذ بيده حتى المشهد الأخير، مشهد تأويل الرؤيا عمليًا، ودخول أهله عليه، وسجودهم أمامه .. وبذلك صدق الله له وعده، وهو سبحانه لا يخلف الميعاد.
ثقة يعقوب تحقيق وعد الله:
سابعًا: كان أبوه النبي يعقوب عليه السلام، يؤمن أن الله سينجز ليوسف ما وعد، من خلال الرؤيا التي أراه إياها، لأنه يوقن أن الله لا يخلف الميعاد، وكان يؤكد أن يوسف آمن في مكان خاص، تحيط به عناية الله ورعايته، لكنه لا يعلم تفاصيل ما جرى له، ولا يقدر على تحديد مكانه ووصفه وتفاصيل حياته .. لا يعلم ذلك لأن هذا من الغيب، والنبي لا يعلم من الغيب إلا ما علمه الله إياه، وشاء الله الحكيم العليم أن لا يخبره عن تفاصيل ذلك.
صحيح أن يعقوب عليه السلام حزن لفراق يوسف، وتألم مما جرى له، وشكا بثه وحزنه وألمه إلى الله، وأثّر حزنه وألمه وكظم مصابه على غيبته .. لكنه لم يفارقه أملُه ويقينه، وجزمه أن ابنه يوسف محفوظ بحفظ الله، آمن برعاية الله، لأن الله وعده بذلك، والله منجز له ما وعد.
ولذلك لما فقد أبناءه الثلاثة كلف بقية أولاده البحث عنهم في مصر، مع يقينه أنهم سيجدونهم. قال تعالى: (يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) [يوسف: 87] .
النصر بعد الاستيئاس:
ثامنًا: كانت الآيات الأخيرة من سورة يوسف تعقيبًا على القصة، وتأكيدًا على بعض عبرها ودلالاتها.
ومن تلك الآيات قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتَّقَوا أَفَلاَ تَعْقِلُونَ، حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَاسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ) [يوسف: 109 - 110] .
تخبر الآية الأولى عن جنس الرسل، وأن الله اختارهم رجالًا، فلم يجعل امرأة نبية .. ثم تلفت الآية أنظار الكافرين، الذين كذبوا محمدًا صلى الله عليه وسلم، إلى مصارع الكفار السابقين، وتدعوهم إلى السير في الأرض، للوقوف على آثارهم، ومعرفة ما جرى لهم، ورؤية عاقبتهم السيئة، فلعل ذلك يدفعهم للتخلي عن ما هم فيه من كفر وتكذيب وعناد.
وهذا تهديد للكفار، ووعيد لهم بالعذاب القادم، إن استمروا على ما هم عليه، وقد حقق الله في كفار قريش وعيده، بأن هزمهم وأذلهم على أيدي المسلمين في الغزوات الجهادية بعد الهجرة.