رابعًا: تعرّض يوسف في بيت العزيز لفتنة امرأته الطاغية، التي طمعت فيه واشتهته، وراودته عن نفسه، ولكنه استعصم بالله، واستعلى على فتنتها، فأُدخل السجن ظلمًا، ولبث فيه بضع سنين، وعلمه الله فيه تأويل الرؤيا، وأوّل لصاحبيه السجينين رؤيا كل منهما، ثم أوّل الرؤيا المثيرة للملك، الذي أُعجب به، وأمر بإخراجه من السجن، والإتيان به إليه، وعندما اطمأن إليه الملك، جعله (عزيزًا) لمصر، وسلّمه خزائن الأرض. وبذلك صار يوسف الرجل الثاني بعد الملك ..
وقد علقت الآيات على ترتيب الأحداث بتقدير الله، لتوصل يوسف عليه السلام إلى ما وصل إليه بتقدير الحكيم الخبير. قال تعالى: (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ، وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ، وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) [يوسف: 55 - 57] .
هذا هو التمكين الثاني الكبير، الذي مكنه الله ليوسف، وقد كان التمكين الأول صغيرًا، حيث هيأ له الإقامة في بيت العزيز، أما في هذا التمكين فقد جعله الله على خزائن الأرض.
وهذا التمكين تحقيق لما استشرفه له أبوه من مستقبل واعد مشرق.
وبقي تحقيق وعد الله له بلقاء إخوته، وتأويل رؤياه حول سجود الكواكب له.
يوسف يواجه إخوانه وتحقيق وعد الله له:
خامسًا: ساق الله له إخوته العشرة، الذين ألقوه في غيابة الجب، وتعاملوا معه على أنه عزيز مصر، ولا يوجد عند أي واحد منهم احتمال أن يكون هذا العزيز هو أخاهم الصغير. قال تعالى: (وَجَاء إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ) [يوسف: 58] .
وتتابعت الأحداث بينه وبينهم، حيث طلب إحضار أخيه الصغير، وأخذ أخاه بعد أن اتهمه فتيانه بسرقة صواع الملك، وعاد الإخوة إلى أبيهم بهمّ وحزن، وطلب منهم أبوهم أن يعودوا إلى مصر، وأن يتحسسوا من يوسف وأخيه، ودخلوا عليه متعبين، فرقّ لهم، وذكّرهم بما فعلوه به وهو صغير، وتعرفوا عليه، وعفا عنهم.
قال تعالى: (قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ، قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) [يوسف: 89 - 90] .
وعده الله وهو صغير ملقى في غيابة الجب، أن يخبرهم في المستقبل بجريمتهم معه: (وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ) .
والآن وبعد سنوات عديدة، لا يعلم مقدارها إلا الله، وبعدما صار الطفل رجلًا كبيرًا واعيًا ناضجًا، يستلم المركز الثاني في حكم مصر، حقق الله له وعده السابق، في الوقت الذي حدده الله، والذي رتب الأحداث التي توصل إليه، وها هو ينبئهم بأمرهم السابق، وهم لا يشعرون، ولا يتوقعون أن يكون عزيز مصر، الجالس أمامهم الآن، هو أخاهم الصغير، الذي ألقوه في غيابة الجب، قبل سنين وسنين!!. وسبحان الله، الغالب على أمره، الصادق لوعده، المنفذ لإرادته.
الله يحقق ليوسف الرؤيا:
سادسًا: بعدما تعرف الإخوة على يوسف، أعطاهم قميصه بشارة لأبيه، وأمرهم أن يأتوا بأهلهم أجمعين .. ولما دخلوا جميعًا عليه، خروا له سجدًا؛ الأحد عشر أخًا وأبواه .. وبذلك تم تأويل رؤياه، التي رآها قبل سنين عديدة، لا يعلم مقدارها إلا الله.